برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
بدون سكر

حق الكذب

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

هل هناك من يخشى الحرية؟ نعم هناك من يخشى الحرية، لماذا؟ لأن الحرية التي تعني الحق في المعتقد والفكر والرأي في أحد جوانبها قد تستخدم كأداة لهدم المنظومة العلمية، وكذا هدم منظومة الأخلاق والقيم، يعني ذلك أن الكذب والتدليس هو حق يكفله القانون الذي يمنح الجميع حرية إبداء الرأي، لاسيما في الأمور الماضية.

فلو كذب شخص مثلا وروج في الناس أنَّ دواءً لو استخدم لعلاج مرض ما في كمبوديا، كان قد انتهى ذلك المرض، أو كذب شخص وروج في الناس مغالطة هندسية ما، كانت هي السبب برأيه في سقوط برجٍ سكني في فيتنام، أو كذب آخر، وقال إن عشرين طائرة انفجرت من الخطوط الكورية في البرازيل قبل سنوات بعيدة وجرى التكتم عليها، هنا سيكفل قانون الحرية حقه في التعبير، وهذا الجانب في القانون غير صحيح –برأيي- ويقود لنتائج غير جيدة.

هناك شريحة تنتقد مقدسات تحت ذريعة الحق في التعبير، هذه الشريحة الناقدة تبدي أحيانا استغرابا من ردود الفعل المجتمعية، وترجح أن السبب يعود إلى أن المجتمع لم يعتد على أنماط متقدمة من حرية إبداء الرأي أو لنقل سقف عالٍ منها.

الحق أن احتمالا لا يُشار إليه في هذا السياق، وهو -كما أراه- احتمالٌ وجيه، وهو أن المجتمع لم يعتد على حق الكذب والتدليس ونشر المغالطات، ثمة من يرى جوابا على ذلك: أنَّ النقد بشكلٍ عام أو إبداء الرأي حتى وإن وصل إلى الكذب أو لتسفيه مقدسٍ ماـ فإنه يقود لحراك ثقافي وجدل يثري الساحة العلمية ويرتقي بالمستوى الثقافي العام، ذلك أنَّ الفكرة المكذوبة أو المهترئة منطقيا لن تصمد حينما يواجهها منطق رصين يكشف زورها، أو دليلٌ دامغ في الرد.

هذا الكلام برأيي وإن كان صوابا بنسبة ما، إلا أنَّ المراهنة على إيجابية نتيجته في كل حال غير مضمونة، فالهدم كما يقال أسهل بكثير من البناء، وطرح الشبه والكذب سهلٌ يستطيع القيام به أي شخص، بينما البناء يتطلب الكثير من الجهد، لذا فوجود حملة مستمرة من الكذب ولتسفيه المقدسات، لاسيما الدينية يسهم تدريجيا في إضلال الناس وانحرافهم.

حديث النوايا هو حديث مهم في هذا السياق، فالذي يطرح إشكالا تخصصيا على غير أهله يضع الكثير من علامات الاستفهام على نواياه، ذلك أنَّ العقل المتوسط يُدرك أنَّ الأقدر على إجابة ما استشكل من طرح هو المتخصص فيه الضليع بكل جوانبه، وعدم فعل ذلك لا يمكن تبريره بعدم إدراك هذه الحقيقة، اللهم إلا أن يكون هكذا شخص مرفوع عنه القلم، لذا فإنني على الأقل مضطرٌ للادعاء أنَّ هكذا تصرف هو طعن للمجتمع في ثوابته، وإصرارٌ على إيذائه والتلذذ بهذه السادية الفكرية، وهكذا تصرف هو -كما أراه- مرض مستحكم ويعبر عن عقدة «الأنا» المستحكمة في النفس.

سراج أبو السعود

سراج علي أبو السعود , حاصل على الاجازة من جامعة الملك سعود في تخصص البحوث والعمليات (الأساليب الكمية)، مارس الكتابة الصحفية على مدى 20 عاماً في عدد من الصحف السعودية .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق