برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
مسامرة

سيارة لها أربع كفرات

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

«هذه السيارة لها أربع كفرات» هذه الجملة كانت ضمن الكلام الذي كان يوجهّه البائع للزبون في أحد معارض السيارات، ومضى البائع في حديثه الذي يحاول به جذبَ الزبون وإغراءَه بشراء السيارة، قائلا: ولها أربعة أبواب، واحدٌ منها مخصّصٌ للسائق وبقية الأبواب الثلاثة لبقية الركّاب، ويوجد في كل باب مقبضان، أحدهما تستطيع به فتح الباب من الخارج والآخر تستطيع به فتحَ الباب من الداخل، وفيها نظام نقل حركة «قير» تستطيع أن تتحكم به لكي تسير السيارة للأمام أو للخلف، كما توجد بها عجلة قيادة إذا أدرتها لليمين اتجهت السيارة نحو اليمين وإذا أدرتها لليسار اتجهت السيارة لليسار.

هل صادفتم مثل هذا البائع البائس الذي يحاول أن يسوّق أساسيات الأشياء على أنها مميّزات خاصة بها؟ مَن منكم لا يعرف كل هذه الأشياء؟ وأي سيارة لا تحتوي على مثل هذه الأشياء؟

مثل هذا الاستجداء لإضفاء مزايا على الأمور بالقوة وجدتُه في تأبين أحدهم لشخصٍ آخر بعد وفاته، فقد كان يمتدح الرجل الميت بأن عنده أبناء وبنات، وبأنه ربّاهم منذ الصغر، وبأنه كان يجلب لهم القوت ويوفّر لهم متطلبات الحياة، وبأنه كان يحبهم ولا يفرّق بينهم في ذلك الحب، ومضى هذا المادح يسرد الأشياء التي يقوم بها كل أب ليصوّر هذا الأب كإنسانٍ مميّزٍ جدا.

التميّز بين سائر الأشياء -وينطبق ذلك على البشر أيضا- لا يأتي من أدائهم للوظائف المشتركة بينهم بذات المستوى كمّا وكيفا، إن التميّز بين سائر الأشياء يأتي من التفاوت الكمي أو الكيفي، في أدائهم لتلك الوظائف التي يقومون بها جميعا، ولو أن البائع امتدح جودة الكفرات الأربع وقال إنها أقدر على تحمّل وعورة الطريق، وأنها أطول عمرا من سائر أقرانها لما كنّا عبنا عليه ذلك الفعل.

الإنسان المُميّز في هذه الحياة، هو ذلك الإنسان الذي لا يتكلّف مادحوه ومؤبّنوه في البحث له عن مزايا يذكرونه بها، لأن اختلافه –تفاوته- عن غيره من سائر الناس يكون ملحوظا جدا وواضحا للعيان، إما على مستوى الكيف «قام بأشياء إبداعية لم يقم بها غيره» أو على مستوى الكم «أنجز أشياء كثيرة أو عظيمة فوق العادة»

هناك إنسان وظيفي يقوم في هذه الحياة بسائر الوظائف التي يقوم بها أقرانه، وهناك إنسانٌ «رسالي» يترك في هذه الحياة بعد رحيله أثرا لم يتركه غيره، وعلى الواحد منّا أن يقرّرَّ أيَّ إنسانٍ منهما يريد أن يكون؟.

محمد العيسى

بكالوريوس هندسة ميكانيكية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، عضو في منظمة التوستماسترز العالمية منذ عام ٢٠٠٥ م وحاصل على وسام التوستماستر المتميّز، له سجل كبير من البطولات في مسابقات الخطابة، وألقى الكثير من الخطب والمحاضرات وورش العمل المتعلّقة بفنون التواصل وتطوير الذات، كتب في عدد من الصحف السعودية

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق