Ticket

عش بحذر!

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

ما أصعب الحياة حين يتوجب حضور الحذر في كل تفاصيلها.

تخرج صباحا بعد كمية هائلة من التعويذات والاحترازات، تمشي بحذر خوفا من أن تدوس قدمك نفاية لمصاب بفايروس كورونا، تفتح باب سيارتك بحذر، خوفا من أن يكون أحدهم قد لمسه بعدك، ترافقك زجاجة المعقم كجزء من جسدك، وتحل محل عطرك اليومي وكوب قهوتك، كل الأشياء من حولك تثير الريبة وترسل لك برسالة ألا تلمسها قبل تعقيمها أو أن تعقم يدك بعد لمسها، لمس ملامح وجهك أمام المرآة بات ممنوعا وإلا ستكون قد ألقيت بنفسك إلى التهلكة.

في هاتفك المعقم ستحاصرك أخبار الوباء في كل اتجاه، فهنا أعداد الحالات والوفيات، وهناك تعريف بالأعراض والاحترازات وقصص المصابين، وفي كل مكان ستجد ما يذكرك بهذا الفايروس وبتفاصيل الحذر، فالناس من حولك يغطون وجوههم كأنهم في حفلة تنكرية، ولوحات الشوارع تنذرك بضرورة التنزه بحذر، تحاول جاهدا أن تمارس حياتك كما كانت دون جدوى، فلم يبق شيء كما كان عليه، تحاول الانزواء عن أجواء الأزمة قليلا فيذكرك الهواء بضرورة التنفس بحذر، افتقدنا نعمة العفوية، والتعامل مع الأشياء وبعض الأشخاص دون قيود.

حتى الأطفال لم يعد عدوهم ذئب ليلى ولا زوجة أب سندريلا، بل تصدر فايروس كورونا قائمة أعدائهم، حين منعهم من العيش واللعب بحرية وعفوية.

لم يقتصر العيش بحذر على الخوف من الفايروس، فقد تشكلت هالات ضخمة من الفواصل بين البشر، وأصبح التباعد الاجتماعي سمة غالبة، وأصبح الحذر في التعامل ليس متعلقا بالمحسوسات وحدها، فبتنا نحذر من الفهم الخاطئ وسوء الظن، أو الوقوع في فخ التباعد النفسي والفكري بعد أن صار الحذر سمة غالبة لكل التفاصيل من حولنا، والأسوأ حين يقال لك إنه لا يمكن التنبؤ بنهاية هذه الأزمة، هنا أضحت العودة لما كنا عليه ضربا من السراب.

وها قد انقسم العالم إلى متأقلم أجاد التعايش مع الأزمة، يحمل في صدره نافذة أمل مشرعة بأن هذه الأزمة ستنتهي، ومنهم من فقد الرغبة في الركض خلف موعد انتهائها، وآمن بأن ما يحدث هو النهاية المتدرجة لهذا العالم، ومنهم ما زال معلقا دون اتخاذ زاوية لرؤيته، وفي نهاية الأمر لن يكون أيٌ منهم على صواب، فالقدر وحده هو من كتبت ضمن صفحاته خاتمة هذه القصة، التي يجب أن ننتظرها دون تكهنات.

تغريد العلكمي

تغريد محمد العلكمي، كاتبة وصحفية وقاصة، بكالوريوس صحافة وإعلام - كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة جازان، عملت في صحيفة الوطن لمدة 8 سنوات، ومارست الكتابة الصحفية في عدد من الصحف، صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان «شتاء آخر» عن نادي أبها الأدبي.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى