تفاعلهمسة

ليس الذكر كالأنثى

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

كما يفعل بعضهم في اقتطاع الآية «ويل للمصلين» من سياقها، ليدعم حجته في عدم وجوب الصلاة، بل وحرمتها –بتلفيقه- كذلك هم من يستشهدون بالآية «وليس الذكر كالأنثى» حين يستدلون بها على تفضيل جنس الذكور على جنس الإناث، بل هم هنا يقعون في مغالطة أشد، لا يغالطون السياق القرآني وحسب، بل ويغالطون قواعد اللغة العربية.

مغالطتهم تلك واستشهادهم الخاطئ أجده ذا شقين: لغوي، وآخر أصولي، الشق اللغوي في اعتبارهم المشبه به الإناث، أقل من المشبّه الذكور، فقد تعارف في علم اللغة، بل والمنطق أيضا، أن المشبَّه به، والذي يلي أداة التشبيه عادة هي حرف الكاف، أعلى من المشبّه، وتفصيل قولي ذلك لمن يجهله، كالتالي «خالد كالأسد في قوته، ليلى كالقمر» عندما تسمع الجمل السابقة تفهم: أن الأقوى هو الأسد، وخالد يشبهه، وأن القمر درجته عالية من التميز والجمال، وأننا نريد مدح ليلى، فنشبهها به.

وهذا بالضبط ما نقوله في اللغة العربية أن المشبَّه به أعلى من المشبَّه، فالأدنى يُشبَّه بالأعلى، فأنت لن تقول الأسد قوي كخالد أو القمر كليلى، إلا أن يكون من باب مبالغات الأدباء فتصف تفوق الأدنى على الأعلى، فلشدة إعجابك بليلى تصف أن القمر بات يشبهها، أو لشدة إعجابك بقوة خالد تقول إن الأسد يشبهه، وكل هذه المبالغات، تؤكد المعنى الأساسي، وهو أن الأسد المشبَّه به مقياس للقوة، والقمر المشبَّه به مقياس للتميز، والآية «وليس الذكر كالأنثى» جاء فيها: الذكر –المشبَّه- أي الأدنى، الأنثى -المشبَّه به- أي الأعلى.

أما عن الشق الأصولي في مغالطتهم، فهو في تجاهلهم سياق الآية، ما سبقها وما تلاها من الآيات، للوصول لمعنى فاسد، بعيدا عن المراد وتفصيل المعنى في سياقه كما يلي، يقول بعض المفسرين:

«1»

إن الجملة «والله أعلم بما وضعت» هي من تعليق المولى -عز وجل- على قول أم مريم «رب إني وضعتها أنثى» بدليل «وضَعَت» وليس «وضعْت» هذا التعليق في سياق الكلام، يُسمى في اللغة العربية «جملة اعتراضية» أي اعترضت السياق ودخلت فيه.

وإن الجملة «وليس الذكر كالأنثى» هي تابعة للجملة الاعتراضية في سياق قول أم مريم، فهي تعليق رب العزة على قولها، والمعنى: إن لم يكن تفضيل جنس الأنثى عموما على جنس الذكر عموما، كما وضحنا في الشرح اللغوي للتشبيه، فالمعنى يكون ليس الذكر الذي طلبتِ يا ابنة عمران كالأنثى التي وهبناكِ.

فمعلوم أن أم مريم طلبت مولودا ذكرا لتنذره لخدمة المعبد، حيث إن الشريعة اليهودية تحظر على النساء خدمة المعبد، فجاء رد المولى -عز وجل- لأم مريم، كنوع من المواساة لعدم ولادته ذكرا يخدم معبد اليهود، بأن الله أعطاها بدل ذلك أنثى، ومعلوم أن إرادة الله وقضاءه خيرٌ وأفضل للإنسان من إرادته ورغبته، فهو الحكيم الخبير عالم الغيب، قال بالقول السابق جمع كبير من المفسرين.

«2»

إن الجملة الاعتراضية في السياق، والتي تمثل تعليق المولى -عز وجل- هي فقط «والله أعلم بما وضعَت» أما الجملة «وليس الذكر كالأنثى» فهو قول أم مريم، ومعناه: وليس الذكر الذي تمنيتُه لخدمة المعبد كالأنثى التي ولدتُها، حيث لن أتمكن أن أفي بنذري لها للمعبد، لأن خدمة المعبد مقصورة على الذكور، فالمعنى أنه ألم واعتذار عن عدم قدرتها على الإيفاء بنذرها.

وما دامت الجملة «وليس الذكر كالأنثى» جاءت على لسان مخلوق -أم مريم- وليست من قول الحق -عز وجل- وإثباته، فهي لا تصلح تعميما أو حكما ثابتا على جنس الأنثى.

الآية فقط نقلت قول أم مريم، لكن لم تثبته كمثل الآية «وقالت اليهود يدُ الله مغلولة» فالحق -تبارك وتعالى- نقل كلامهم، ومؤكد لا يعني هذا النقل أنه صحيح، بمعنى أن يد الله –حاشاه- مغلولة.

وكمثل الآية التي حملت قول فرعون «أنا ربكم الأعلى» فنقل الآية لكلام فرعون لا يعني أبدا أنه صحيح، وأشباه ذلك كثير في القرآن، أن ينقل الله أقوال بعض الشخصيات، في سياق قص قصصهم، وهذا أيضا قاله جمع كبير من المفسرين.

فخلاصة مراد الآية -والله أعلم- في سياقها، كالتالي:

إن اعتبرناها في سياق جملة اعتراضية وتعليق من الله -عز وجل- على قول أم مريم، فيقدَّر معناها في الآتي، ليس الذكر الذي طلبتي يا ابنة عمران، كالأنثى التي وهبناكِ، في الفضل، ومعلوم -بلا ريب- فضل السيدة مريم العذراء على أي ذكر قد يخدم المعبد، بل على ذكور الأرض، حاشا الأنبياء.

إن اعتبرناها من باقي تعليق أم مريم نفسها لما فوجئت بمولودة أنثى وليس ذكرا كما تمنت، لتنذره لخدمة المعبد تقربا لله: إن اعتبرناها كذلك، فالآية نقلت قول شخص ما في سياق القصة، وليس تقريرا لعموم صحة هذا القول على كل حال.

إذن في كل الأحوال:

لا يصح قول «وليس الذكر كالأنثى» هو لتفضيل جنس الذكور على جنس الإناث، فسياق الآية كان عن قصة نذر مولود لخدمة المعبد اليهودي، وخدمة المعبد في شريعة اليهود قاصرة على الذكور.

هي إن وردت للتفضيل، فهي تشير لفضل جنس الإناث على الذكور، حيث الإناث هن المشبَّه به.

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى