اَراء سعودية
صدى القرية

الانتماء للوطن

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل

حينما أكتب عن الوطن، أستشعر في نفسي رد شيء من الجميل لأسرة أحبها وأجلها وأعظم حقها وأحفظ قدرها وفضلها، حيث كان لهذه الأسرة وحدها الفضل -بعد الله- في صناعة وطن عظيم علمني وطببني وأمنني وثقفني ورباني وأعطاني بلا حدود ولا منة، وصنع مني شاعرا ومثقفا وأكاديميا وإنسانا له قيمة في الحياة، بعد أن كان أجدادنا في هذه الأرض -من الشمال للجنوب ومن الشرق للغرب- قبل الملك عبدالعزيز، فقراء أميين مرضى خائفين متناحرين، يتقاسم استغلالهم الترك والفرس والأوربيون وزعماء عشائر محليون، دون أن يكون لهم قيمة في الحياة، بل يعيشون حياة بلا معنى ولا أمل ولا أحلام ولا طموحات.

جاء الملك عبدالعزيز وانقلب الحال وأصبح أبناء وأحفاد هؤلاء الحفاة الأميين وزراء وسفراء ومهندسين ومعلمين وأطباء وعسكريين وأساتذة جامعات ومدراء شركات ومثقفين وفلاسفة وشعراء وأدباء وعلماء فلك ومتخصصين بارعين عباقرة، في كل التخصصات الإنسانية والطبيعية، يحترمهم الشرق والغرب ويحسب لهم العالم كله ألف حساب، فكل من فيه ذرة وفاء وشرف ومروءة وضمير سيفدي هذه البلاد والأسرة المالكة الكريمة بالنفس والنفيس، وهذه بعض حقوقها على المواطن الأصيل الواعي.

إن السعودية تختلف عن كل بلدان العالم، حيث إن ملوكها أقاموها من الصفر ولم يأتوا إليها وهي مؤسسات قائمة وأنظمة وقوانين نافذة كبقية الدول بل هم وحدهم من أسس جذورها وجذوعها وأغصانها وأوراقها وثمارها في مكان تجنبه العالم كله، وزهدت فيه كل القوى الشرقية والغربية لانعدام موارده الطبيعية وجفاف أرضه وقسوة مناخه وجهل وتشرذم وتناحر سكانه، ولكن هذه الأسرة العظيمة قبلته وراهنت عليه وآمنت به، فأثمر عزمها ويقينها وتضحياتها وطنا عظيما اسمه السعودية، أصبح اليوم من دول العشرين ويؤثر في سياسات العالم شرقا وغربا.

إن هذا الوعي والولاء الراسخ لم تصنعه فتوى دينية تنقلب بانقلاب أفكار ورغبات مصدِّرها ولا عصبية قومية أو قبلية يتحكم بها رمز اجتماعي أو رواية تاريخية ولا نفس مصالحية تتساوق مع غرائزها ومطامعها، بل صنعته هذه الأسرة الكريمة بأفعالها ومواقفها وتضحياتها ووعيها وجميلها، لذلك فشعاري دائما «الملك ثم الوطن» لأن الوطن جاء به الملك عبدالعزيز، وكان قبل عبدالعزيز مجرد قفار وصحاري وجبال وكهوف وخيام وجهل وفقر ومرض وخوف وتناحر وسلب ونهب، وحياة كحياة الغابة بلا نظام ولا قانون ولا أحلام ولا أمل.

إن الدول لا تقوم على العواطف وحدها وإنما على الوعي والانتماء الوطني الإنساني الحاكم على كل انتماء آخر مهما وكيف كان، الذي يجعل من الإنسان المجرد من كل تصنيف مذهبي أو عرقي غايته الأولى، ويجير كل التوصيفات المتنوعة له إلى وسائل تخدم تنميته وأمنه وجودة حياته، وكل خسارة في الحياة يمكن تعويضها إلا خسارة الأوطان، وكل من خان وطنه أو عاداه تحت أي مبرر فإنه سيعيش كاليتيم على مآدب اللئام تتاجر به مطامع الأعداء ورغباتهم لتحقيق مصالحها الخاصة بها، ليصبح مجرد كرة تتقاذفها الأقدام المتسخة في ملعب السياسة والمخابرات الإقليمية والدولية.

ولذلك، فمهما رأيت من خطأ في مؤسسة وطنية أو فساد موظف استغل سلطته ضدك، فليكن شعارك مع وطنك دائما:

فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا

فأفعاله اللائي سررن ألوف

حمى الله وطننا حكاما وشعبا وأرضا، وزاده الله أمنا ورخاء ورفعة ومهابة وحضارة وتقدما وقوة وعزة.

أحمد الغيلاني

أحمد محمد علي الغيلاني، طالب دكتوراه، ماجستير في أصول التربية من جامعة الإمام محمد بن سعود، له أربعه مؤلفات مطبوعة، وثلاثة أخرى تحت الطباعة. مارس الكتابة الصحفية في عدد من الصحف السعودية والخليجية.

تعليق واحد

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق