برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
نافذة لغوية

تلون أم أيديولوجية وموقف تنظيم؟

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

هنالك لفظة «فخ لغوي» تحتوي على الخداع والتدليس اللغوي، وهي لفظة «تلوّن» التي يستخدمها الحزب المؤدلج المستقل عن الدولة وسياستها الرسمية وموقفها المعلن والرسمي.

ولأنه مستقل عن الدولة بلجان شرعية تفتي له وبقيادات حزبية تنظيمية وبأذرع إعلامية ترى ما لا تراه الدولة، وتنتهج ما لا تنتهجه الدولة، فهو ليس مع سياسة الدولة في توجهها أينما وجّهت، بل له استقلالية تنظيمية ورأي مستقل عما تراه الدولة.

وسأعطي مثالا توضيحيا، تقوم دولتنا المباركة على الكتاب والسنة وتتعامل مع الدول الأخرى حسب ما تقتضيه مصالحها التي تتغير مع الزمن بطبيعة الحال، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي استطاعت الجمع بين أوامر الله –سبحانه- وما تقتضيه الأحوال السياسية في عالم مادي تتقاذفه المصالح، وهي دولة لا تقوم على أحزاب أو تنظيمات، ولا تميل إلى أي منها إلا حسب ما تقتضيه مصالحها ومصالح شعبها، وطبيعة الدين الذي تقوم به.

أما الدول الأخرى فتقوم على أحزاب وجماعات تتنافس فيما بينها وتتصارع للوصول إلى السلطة، مثلا في تونس قد يفوز حزب متأسلم وتقتضي طبيعة السياسة أن تتعامل معه السعودية تعامل الدول مع بعضها بما تقتضيه السياسة، ويحدث هذا في أي بلد آخر يعتمد على الانتخابات التي شُوّهت في العالم الثالث ولم تنتج إلا الصراع والفرقة، ونحمد الله على نهج دولتنا المباركة الذي لم ينجرف مع صراعات السياسة وموضاتها المتقلبة.

ولأننا مواطنون نأتمر بأمر الدولة، فمن الطبيعي أن تجدنا يوما مع نظام تونس حين كان تحت حزب معين ودولتنا صديقة له، أما المؤدلج التابع لتنظيم يناصب ذلك الحزب العداء التاريخي فلن يتبع الدولة بل سيخنس ويستتر ويلوذ بالصمت ويدبر المكائد وينتج لغة متلاعبة حمالة أوجه، وحين يفوز حزب آخر في تونس وتتعامل معه الدولة بما تقتضيه طبيعة التعاملات الدولية، ستجد أن التنظيم المؤدلج ينتهز الفرصة لكي ينتقم من المواطنين الذين تابعوا الدولة في عدم معاداة الحزب السابق الذي يقود تونس –مثلا- ليصفي حساباته ويصف موقفهم بالتلون، وله في موقفه هذا هدفان غير معلنين:

أولا: انتقاد موقف الدولة على توجهها السابق بطريقة غير مباشرة، وتمرير رسائل مفادها أن الدولة مخطئة في مواقفها مع خصومهم، تمهيدا للطعن في سياسة الدولة الرسمية ونزع ثقة المواطنين بدولتهم وبمواقفها الرسمية.

ثانيا: خلق فتنة وتفرقة وإرسال رسالة للمواطن المخلص أن اتباعك للدولة في الخير والشر سيكون له عواقب وخيمة، ولن نتركك وسننبش عن هذه المواقف ولو كانت في وقتها متوائمة مع توجه الدولة الرسمي.

ولهذا تجده يفاخر بأنه لا يتلون، بينما الوصف الحقيقي أن نقول إنه لا يتابع الدولة ولا يخضع لها في الخير والشر ولا في السراء والضراء أينما توجهت، ويزعم أن موقفه ثابت من ذلك الحزب أو ذاك، ويلمز الدولة بأنها براجماتية تقوم على المصالح، ويرى ذلك عيبا بينما هو الطبيعي والصحيح حتى في العلاقات الإنسانية، فقد يكون بينك وبين شخص علاقة ثم ينقلب عليك ويكيد لك فيصبح عدوا لك.

بينما الحزب أو التنظيم أو المجموعة فمواقفها ثابتة لا تتغير ضد منافسيها ما دامت ليست في السلطة، لكن لو صار لها تأثير لرأيتها متلونة بمئة لون ومتقلبة تقلب العواصف والأعاصير، ولا ننس أن هذا الفخ اللغوي اتُخذ عند المؤدلجين ذريعة للطعن في احتواء السعودية للإخوان أيام المد القومي والثورة الإيرانية، وفُسِّر بأنه تلون بينما هو موقف سياسي صحيح مع المصالح العامة للدولة.

صالح العصيمي

صالح بن فهد العصيمي: أستاذ الدراسات العليا للغويات التطبيقية والتربية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، درس الدكتوراه في كلية التربية في جامعة ليدز ببريطانيا، وعمل مستشارا ومحكما لمايكروسوفت في عدة مشروعات برمجية خاصة باللغة العربية، كما عمل مستشارا في مكتب التربية في مقاطعة ليدز وفي المجلس البلدي في المقاطعة، وعمل خلال ذلك عضوا في هيئة الاستئناف في قضايا الفصل المرفوعة ضد مكتب التربية، وممثلا للمسلمين في المجلس الاستشاري الدائم للتربية الدينية. عمل في شركة تطوير للخدمات التعليمية، مديرا لتطوير تعليم اللغة العربية في مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتطوير التعليم، وكذلك شغل منصب المدير التنفيذي للمركز الوطني لتطوير تعليم اللغة العربية التابع لوزارة التعليم في فترة تأسيسه، وكان أيضا المدير التنفيذي لمركز اللغويات التطبيقية التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد حكّم العديد من البحوث والمشروعات العلمية لجهات علمية وأكاديمية. عمل مستشارا غير متفرغ وقام باستشارات علمية لعدد من الجامعات السعودية، وهو المشرف على مشروعين تابعين لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهما: المدونة الأكاديمية السعودية والمعجم الأكاديمي السعودي، صدرت له أكثر من عشرة بحوث وخمسة كتب ما بين تأليف وتحرير وترجمة.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق