اَراء سعودية
أجراس

وصيتي الثقافية

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

أحب الحياة وأعيش لحظاتها المتنوعة ولا أستبعد الموت في أي لحظة، فالكاتب عليه أن يموت قبل موتته، ليرى ما يمكنه الكتابة عنه، لهذا أكتب وصيتي الثقافية:

أما الحزن والبكاء فلا يتجاوز الأربعين يوما، فالعامة تنسى سريعا، سيتوظف موظفا جديدا وجدول الاستضافات الثقافية سيُحدَّث في الحال باسمٍ بديل، أما أهلي وأحبتي المقربون جدًا فأقول لهم: صبُّوا الماء على قبري في يومه الأربعين، بعد أن تزرعوه لتأكل منه الطير، وتصدّقوا للأيتام ولا تبكوا ولا تحزنوا، فالحزن ثقيل وروحي لن تهنأ ما دمتم محزونين، عودوا للحياة، واصلوا العلم والعمل بقلبٍ مطمئن وابتسموا، وكلما اشتقتم لي اقرأوا القرآن عني.

وأما نعشي وجنازتي وتراب قبري المبتل فلا تقربها آلة التصوير، فكرامة الإنسان في احترامه واستئذانه حيّا أو ميتا، وما أذنت في ذلك، لا تؤذوا روحي ولا تؤذوا أهلي، أعلم أنه بدافع المحبة والتوثيق، ولكنه فعل غير مناسب لحدث حزين أولى به الدعاء والصمت والتفكر.

وأما الصحافة والصحفيُّون فلا تقابلوا أحدا من أهل بيتي قبل أربعين يوما، لا يرضيني أن يتحدّث أحد عني ودموعه تجري، ولا تغفلوا أن أهل المصاب يكونون في حالة حزن وضعف، فلا تزيدوا عليهم الحمل بلقاءات صحافية يمكنها الانتظار -من أجلي وكمعاهدة محبة بيننا- تجاوزوا لازمة السبق الإعلامي، وانشروا لاحقا ما يستحق النشر ويستفيد منه الناس.

وأما اسمي وصورتي فلا تُطبع وتُباع بأثمانٍ مبالغة، فتستنزف المشتري المحب وتعود بالنفع على مستثمر ليس إلا، فلو هناك عوائد مالية فللفقراء والأيتام فقط، قاطعوا الشّراء إن خالطه استغلال لعاطفتكم حتى وإن كانت من أجلي.

وأما توزيع الحلوى والماء نيابة عن روحي، فلا تفعلوا ذلك في المقبرة، فالمقبرة مدينة من العالم الآخر، لا يليق بها إلا السكون والدعاء وقراءة القرآن بصوتٍ شجي، لا تكسروا هيبتها من أجلي، فهنا أرواح نائمة. وأخيرا، عن حروفي المطبوعة فعائدها كاملا للأيتام.

بسعادة، كتبت هذه الوصية، فمن عاداتي الحياتية والمهنية الاستعداد والتجهيز للحدث قبل موعده، وقد استوقفني ما يحدث مؤخرا مع حالات الرحيل الأبدي في أرضنا، قلبي مفعمٌ بالنشوة السعيدة، فعالم الحياة يستحق منا الحب والشكر للخالق ولكم على منحي تجربة الحياة.

رجاء البوعلي

بكالوريوس في الأدب الإنجليزي ودبلوم في الإرشاد الأسري وآخر في السكرتاريا التنفيذية، مدربة معتمدة من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني. كاتبة وأديبة لها مساهمات كتابية في العديد من الصحف السعودية والعربية، مدربة في مجال التنمية البشرية، ناشطة في قضايا الشباب ومهتمة بالشأن الثقافي، عضو في عدة أندية ثقافية محلية ودولية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق