اَراء سعودية
دوّار الشمس

الأمهات المزعجات

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

ككل الأمهات، يبدو لي أن أطفالي هم الغاية وهم الهدف، أليسوا سعادة الحاضر، والمستقبل الآتي، لبنة المجتمع وسواعد الوطن؟ وكمعظم الأمهات أبدو اليوم كـ«المزعجة» الوحيدة، بينما هم يمضون أوقاتهم على الصامت.

كلٌ منفصل في عالمه، خاصة مع أزمة الجائحة وكل قلقها ومتعلقاتها، ما رفع من مستوى الإدمان على الأجهزة، وزادت الفوضى التي تطال نظام العائلة عادة في الإجازات الصيفية الطويلة.

أعدُّ الأوقات كما أعدُّ الطعام، وقتا لألعاب الفيديو، وقتا للعب في الخارج، وقتا للقراءة… إلخ.

أختصرُ هذهِ المعركة التي تخوضها الكثير من الأمهات المُحاربات، وهنَّ يتصدّين لكل ما يُحاول سرقة طفولة أبنائهن وبراءتهم، بل يسعينَ لتنمية مهاراتهم، وتحفيز مُخيلتهم، والمُحافظة على قدرتهم على التركيز، والخروج من حالة التلقّي إلى حالة الإنتاج والإبداع.

إنها معركة شرسة بأدوات وادعة، وذلك ما يزيد من صعوبة المواجهة وخطورتها، ورفع مستوى وعي الأطفال ومناقشتهم وإقناعهم، بل ومواجهة سيل من الأفكار والحيرة بين أن يعيش كل طفل زمنه وعصره وأدواته، وبين قناعاتنا كأهل ومُربّين.

يمضي اليوم في المفاوضات بين ما يُريدون وما نُريد، صحيح أن صراع الأجيال تحدٍ قائم في أي عملية تربوية غالبا، لكنه اليوم يبدو مُخيفا كصمت أطفالنا وهدوئهم، باتت الكثير من العائلات تشكو من الوحشة والصمت والاكتئاب الذي يبدو أنه يزورنا باكرا كعائلات شابة، بعد أن كان يُعاني منه كِبار السن والأجداد مع استقلال الأبناء وتكوين عائلاتهم الخاصة.

تُحيلني هذهِ النقطة بالذّات إلى ما ذكره أحد الزملاء في الصحيفة عن التربية الحديثة وغبنها لحقوق الآباء وتركيزها على حقوق الأبناء.

ما لفتني أن أبناء الجيل القديم ممن هُضمت بعض حقوقهم بفعل قوة العادات آنذاك، هم ذاتهم آباء اليوم ممن تهضم التربية الحديثة حقوقهم أيضا.

وهذهِ جدلية تُخرجنا إلى التغيرات المجتمعية وما ترسمه من تغيرات معرفية تطال تفاصيل حياتنا من حيث لا ندري، في هذا السياق تحديدا ترنُّ في بالي كلمة لأحد أساتِذتنا الأفاضل في الجامعة، حين كان يقول لنا آنذاك: أنتم جيل مسكين -يقصد جيل الثمانينيات- لم تعيشوا حياتنا القديمة البسيطة والعميقة، ولن تعيشوا مرحلة التقنية والمعرفة القادمة.

لكنني أقول اليوم: نحن جيل المحاولات، للواقع اشتراطاته وظروفه نعم، لكن المحاولة هي شرفنا دوما، نحمل تجارب طفولة صامتة وأمومة صاخبة لكننا لا نستسلم ونحن نطمح لاتزان حياتنا وعائلاتنا.

نحن الأمهات المُزعجات حين تسحبُ الأجهزة أصوات أطفالنا، نحن رفيقات الضجر، الضجر الذي اختبرنا مفاعيله جيدا قبل أن نقرأ «باشلار» وهو يقول: إنه أمر جيد ومطلوب أن يكون للطفل لحظات ضجر، لأن يتعلم الجدل بين اللعب بالغ الامتاع والضجر الخالص الذي لا سبب له.

رباب إسماعيل

رباب إسماعيل، ماجستير علم اجتماع المعرفة والثقافة، كاتبة وشاعرة سعودية، أكاديميّة مهتمّة بالشؤون البحثيّة والثقافيّة والتربويّة، أجرت تحقيقات صحفية متنوعة، كاتبة مقالات، نشرت في عدد من الصحف والمجلات المحليّة والعربيّة، لها مشاركات ثقافية وإعلاميّة متنوعة داخل السعودية وخارجها، صدر لها ديوان رسائل دوّار الشمس عن دار الفارابي.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق