اَراء سعودية
بُعد آخر

وداعا يا «أبا الحسن»

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

للفقدِ مرارته وللفراق لوعته، خصوصا حين تغمضُ عينيك على رسالةٍ من حبيب ثم تفتحها وقد رحل، عندها تقفُ الحروف حائرةً عاجزة.

قبل بضعة أيام ترجّل فارسٌ أصيلٌ من فرسان هذا الوطن عن صهوة جواده في معترك الحياة، رحل إلى جوار ربّه، تاركا في نفوس أقربائه غصةً وفي قلوب محبيه جرحا لن يلتئم قريبا، لكنه اليقين، تلك الحقيقة الجليةُ في حتميتها الغامضة في موعدها ومكانها وماهية الشخص الذي ستختار.

إنه المرحوم -بإذن الله- عضو مجلس الشورى السابق، وأستاذ علم المعلومات في جامعة الملك سعود، جبريل بن حسن العريشي، صاحب الابتسامة الآسرة والسيرة العطرة والسجل المرصع بالإنجاز تلو الإنجاز.

اخترتُ هنا أن أكتبَ عن جبريل الإنسان، عن أبي الحسن الذي تَسابَق محبوه وزملاؤه وأصدقاؤه في سردِ مآثره النبيلة أستاذا جامعيا وعضو شورى وقائدا فذا وإداريا محنكا.

بعد عناءِ أيامٍ طوال من العمل في الحِلّ والترحال في مهماتٍ رسميةٍ وعمليةٍ تكادُ لا تنتهي، كان في كل مرةٍ يُطلُّ علينا بابتسامةٍ مضيئةٍ تُخفي ما وراءها من وعثاء سفر وإرهاق واجبات.

في كل اجتماعٍ عائلي تجده ينتظرك هناك ما لم يحبسه عن الحضور والمشاركة حابس، كان على الدوام فاكهة المجالس صاحب الضحكة الجميلة واللطف السخيّ وجمال المعشر، وإن رافقته في الأسفار تعلمت منه ووجدت في رفقته سلوةً ونلت من خبرته وتجربته في الحياة نصيبا، يدهُ كريمةٌ معطاءةٌ بالخير لمن عرف ولمن لم يعرف.

ذات ليلةٍ كنتِ جالسا معه في صالة المغادرة بمطار الملك خالد الدولي، حين اقترب منا طفلٌ صغيرٌ يجول بين مقاعد المسافرين المنتظرين لموعد رحلتهم، قطع «جبريل» حديثه معي مبتسما للطفل الصغير، وحين لم يجد قطعةً من الحلوى يهديه إياها أخرج من جيبه ورقة نقودٍ ودسها في جيبِ معطف الصغير الذي عاد إلى أسرته، وقد ارتسمت على محياه ومحيا والديه علامات الامتنان والسرور بعيديّة القلب الطيب.

تُرى كم من الابتسامات الجميلة صنعها قلبُ جبريل؟ تلكم –لعمري- صدقةٌ جارية، كان «جبريل» يُحب لمن حوله ما يحب لنفسه، حتى نجاحاته كان لنا نصيبٌ منها تحفيزا وتشجيعا ودعما ونصحا وتوجيها مغلّفا بتواضع جمّ.

كثيرا ما كان يدعوني للجلوس بجانبه في مناسباتٍ مختلفة، يسألني عن رحلة الدكتوراه والمراحل المتبقية، وفي لقائنا الأخير حين تلمّس بخبرته في إجابتي بعض تسويف وتأجيل، اختصر نصيحته لي في عبارة لن أنساها «Just do it» تُرى كم من النصائح أسداها «جبريل» لطلبته الجامعيين ومعاشر الباحثين تحت إشرافه؟ ذاك –لعمري- علمٌ يُنتفع به.

صادق العزاء والمواساة لأمّ الحسن ولأشقّاء الفقيد وشقيقاته وجميعِ من أحبهم «جبريل» وأحبّوه، ولأخي حسن ولإخوته الفخرُ في والدٍ عظيمٍ تركَ بصمةً وأثرا في نفس وشخصيةِ كل من تتلمذوا على يديه، وجميعنا بعون الله سنكون «ولدا صالحا يدعو له».

ايمن العريشي

ايمن علي العريشي: محاضر وباحث في مرحلة الدكتوراة، له عدة مقالات رأي منشورة في عدة صحف سعودية وخليجية كالوطن السعودية و الجزيرة والحياة والرؤية الإمارتية وإيلاف الإلكترونية و موقع هات بوست.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق