برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسة

الصحوة كنسق

ظننا لوهلة أن مجرد محاربة الصحوة بكل ما كانت تحمله من تشدد وانغلاق ورفض للتجديد الديني -فضلا عن كونها مُمتطى لأهداف سياسية خبيثة- يعد مفتاحنا لمجتمع منفتح متقبل للآخر ولكل من فيه.

لكن يبدو أن هذا ظن تنطبق عليه مقولة «إن بعض الظن إثم» فها نحن نشهد تيارات وموجات فكرية ومجتمعية متباينة، لكن يجمعها كلها على اختلافاتها مع الصحوة، أنها جميعا تعمل بنفس النسق، نسق فكري يقوم على متشابهات هي: محاولة الوصاية، رفض الآخر المختلف، التوجس من أي تغيير، ويحكم هذا النسق عقدة المؤامرة، والشعور بالاضطهاد.

وكمثال على ما أتحدث عنه، هو موقف البعض من مطالب حقوق المرأة التي لا تتعارض مع مبادئ الشرع والإنسانية.

للأسف يمكنني القول: إن هذا النسق هو كالفايروس تحكم في عقليات الكثير مهما أظهروا حربهم للصحوة ورغبتهم في التجديد.

لا ننكر أبدا أن بلادنا مستهدفة، وزاد حجم هذا الاستهداف مع القفزات التي نمر بها على الأصعدة كافة، لكن أن تتم شيطنة كل المطالبات والمطالبين بحقوق المرأة، بزعم أنهم ذوو توجه معادٍ، وأن يتم رفض كل التوجهات لإصلاح وضعها الاجتماعي، بحجة أن هذه الإصلاحات هي معاول تخريب وشكل للتغريب، فهذا هو ما أعنيه بنسق الصحوة من التوجس ورفض الآخر.

لا يمكننا إنكار تخلف وضع المرأة الاجتماعي، كنتيجة لما نشرته الصحوة من أفكار تشيطنها وتمنع مشاركتها في الحياة العامة، وتفترض ضرورة الرقيب عليها كونها سهلة الانحراف وسائر تلك الأفكار الشيطانية عنها.

ربما رحلت الصحوة كشكل عام، لكن ما زالت أفكارها تغذي الكثيرين من تحت الرماد، وربما دون شعور منهم.

المرأة شريكة الرجل في هذا الوطن، ونسبة النساء تقارب الواحد وخمسين بالمئة من إجمالي الشعب، واعتقاد أن التغيير في الأنظمة المقيدة لتمتعها بكامل حقوقها الشرعية والوطنية أنه نوع من الترف -على أفضل الظنون- هو ظلم لها وللوطن ولشعب كامل.

التغيير في هذه الأنظمة -التي هي في أغلبها مجرد أعراف وتقاليد لا تمت للشرع ولا لروح الإنسانية- هو واجب شرعي ووطني كي نستطيع الاستمرار في قفزات التنمية التي تشهدها بلادنا.

وهو تغيير نبه له ولي العهد، الذي ذكر في واحد من لقاءاته أن هناك حقوقا كثيرة للمرأة أقرها الشرع، وما زالت لم تتمتع بها النساء، وهو الذي ذكر أيضا أن الأنظمة بل والأعراف كانت أكثر مرونة مع المرأة قبل ظهور منهج الصحوة.

عود على بدء، والتنبيه لنسق التوجس والرفض الذي نعاني منه إلا من رحم ربي، وما الكلمات التي سطرتها أعلاه عن المواجهة الثقافية والاجتماعية في شأن المرأة، إلا واحد من أمثلة قد تجدها على الساحة الثقافية والمجتمعية، ويتغلغل فيها ذات النسق التوجسي الرافض.

ينبغي أن نعلم أننا الآن في مرحلة مفصلية من تاريخ أمتنا السعودية العظيمة، والمراقبون -سواء بحب أو حسد- كُثُر، لذا يجب علينا العمل معا لنماء هذا الوطن من كل جوانبه والتوحد تحت قيادته، وأن نحاول التخلص من هذا النسق حتى لا يشتت جهودنا.

علينا إما أن نقبل التغيير ونحاول التعامل معه بحكمة، أو سيدهس ما ومن نحب، لا قدر الله.

ويطيب لي هنا أن أذكر أمرا قد يغفل عنه كثير منا: عندما عارض كثيرون دعوة رسول الله، لم يكن ذلك لإنكارهم وجود الله، ولكن هو رفضهم تغيير ما ألفوه من انحرافات قادتهم للبعد عن الطريق القويم من السلوك والفكر الديني، وأيضا الإنساني.

النبي دعا لترك الشرك، وأيضا دعا كثيرا لترك العادات التي قدسها الناس وظنوها منهج الحياة الأصح، هو حارب هذا النسق في التفكير الذي يقوم على رفض التغيير والتوجس منه، فهل نعي؟.

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق