تفاعلرجع الأفياء

الغجر.. جريمةٌ عثمانية

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

الغجر أمة لا جغرافية لها ولا تاريخ، انتزعها سلطان جائر وطوّح بها بعيدا عن منابتها، تاهت عن جغرافيتها فضاع منها «الشاسيه» الذي يشد أحداثها لتغدو تاريخا.

ومن بين الأقوال التي وردت في تفسير وجودهم على هامش التاريخ، رأي هو الأقرب عندي، تدعمه قرائن كثيرة، فقد أنشأ العثمانيون في مطلع زمانهم جيشا موازيا للجيش الرسمي سموه «يك جاري» وعربها عامة العرب «غاجاري» وباتت كلمة «غجري» في أشعارنا الشعبية القديمة تعني «الأشداء» بينما نطقها المتحذلقون العرب «إنكشارية» وفي أوروبا «Romani people» والروم هم سكان غرب تركيا وجنوبها.

كان هذا الجيش يقوم على تجميع الغلمان المسيحيين، إغراء بالمال أو خطفا، ثم تربيتهم على الولاء للعثمانيين ومع الأيام دفعوا بهم في حروبهم غربا، وعندما انكسرت الدولة العثمانية في بعض مراحل ضعفها، سحبت جيشها الرسمي وتركت الغجر في مواجهة أقدارهم.

الغجر هم نتاج جريمة عثمانية ارتكبها الترك في مطلع تأسيس إمبراطوريتهم، وهي تفوق الجريمة التي اختتموا بها تاريخهم، جريمة إبادة الأرمن التي سكت عنها الناس ولم يسكت عنها التاريخ، وإن كان ما فعلوه بالغجر أشد ظلما، إذ تركوهم في حالة من العذاب الأبدي، منبوذين أينما ذهبوا، حتى اليوم العالمي للغجر لا يكفي لدفن ذلك، رغم أنه يوم للتذكير بمعاناتهم وللتعريف بثقافتهم، الثقافة التي تخلقت خلف أسوار أوروبا وكثير من مدن العالم القديم.

شبهت حالهم وأنا أتجاذب الحديث مع عدنان –ابني- بحال الطيار الروسي كريكاليف الذي سقطت دولته «الاتحاد السوفييتي» وهو عالق في محطة مير الفضائية، يواجه رعب المجهول دون أن يجد دولة تساعده على العودة، غير أن عدنان قد ذكرني أن كريكاليف وجد في ألمانيا معينا أعاده إلى الأرض، بينما الغجر ظلوا في غربتهم الظالمة تحت أقدام الناس، وهذا هو المصير الذي سيواجه مرتزقة أردوغان اليوم، حيث سيترك ليبيا عاجلا أم آجلا ويبقى البؤساء الذين جمعهم من سوريا ومن غيرها شتاتا مثل الغجر، أو هم دفعة معاصرة من الغجر.

محمد ربيع

محمد بن ربيع ، ولد في 1954م ودرس في مدارس الباحة والطائف، ثم في مدارس دار التوحيد بالطائف، تخرج في كلية التربية بمكة عام 1396هـ. يكتب القصة والمسرحية والتمثيلية الإذاعية والمقالات العامة والمحاضرات التي تناولت المسرح المدرسي والموروث الشعبي والسير الشعبية نشرها في صحف ومجلات سعودية. له العديد من المؤلفات منها مفردات الموروث الشعبي، ذاكرة الفواجع المنسية (حكايات شعبية) ورجل تدركه الأبصار (قصص).

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى