اَراء سعودية
فضاءات

الصراع في مجتمعات وسائل التواصل

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

لا شك أن وسائل التواصل الجديدة خلقت مجتمعات بشرية جديدة، يطلق البعض على هذه المجتمعات البشرية الجديدة بـ«الافتراضية أو غير الواقعية» وهي قد تكون كذلك بالفعل، لكن تقاطعاتها وتأثيراتها الانفعالية والفكرية والمعرفية على الإنسان الفرد هي واقعية بالكامل.

فهذه المجتمعات الافتراضية الموازية أصبحت تمثّل بكمّ العلاقات والتفاعلات التي يقوم بها الفرد من خلالها، خلال اليوم الواحد، أكثر بكثير من تفاعلاته مع أي مجتمع حقيقي يعيش فيه، سواء على مستوى العمل أو الأسرة وغيرها، وبالتالي فإنه وبالتناسب مع كم التفاعل الذي يقوم به الفرد في هذه المجتمعات الافتراضية، فإن تأثيرها على حالته النفسية والعاطفية والمعرفية كبير جدا، بالشكل الذي يجعلها تتحكم بالمقدار الأكبر من حالته المزاجية والنفسية، ما يجعلها أحيانا عبئا نفسيا على هذا الفرد، أكثر من كونها مهربا اختياريا من واقع مفروض عليه ويعتقد أنه لا يناسبه.

المشكلة الأكبر –برأيي- أن هذه المجتمعات الافتراضية لا تزال بلا ضوابط اجتماعية، كما هو الحال بمجتمعات الواقع المحكومة بضوابط عديدة، طورها كل مجتمع بشري لمئات السنين، بالشكل الذي جعلها تحكم علاقات الأفراد فيه بدقة، تضبط علاقاتهم وتقاطعاتهم ومقاييس الاحترام وطريقة ووقت الكلام… إلخ، وبشكل لا واعي.

في المقابل، فإن مجتمعات العالم الافتراضي لا تزال في حالة فوضى تنظيمية، فهي خالية من القوانين الاجتماعية التي تضبط علاقات الأفراد فيها وتحكم تقاطعاتهم ومشاركاتهم مما حولها إلى صراعات مفتوحة بلا قوانين، ساحة جدل واسعة لا يحترم فيها الصغير الكبير، ولا يقدر فيها الجاهل العالم، ولا يتنازل فيها المخطئ لصاحب الحق… إلخ، من فوضى الأدوار والقيم والأخلاقيات الاجتماعية.

هذه الفوضى العارمة، وفي ظل الاستخدام المفرط لوسائل التواصل، جعل منها عامل ضغط نفسي وروحي وحتى معرفي على الأفراد، وانعكس جوها العام الذي تطغى فيه الصراعات وقلة الاحترام على نفسية هؤلاء الأفراد ورؤيتهم لأنفسهم واحترام الآخرين لهم.

نعم نحن نعيش في حالة من الصراع الوهمي في وسائل التواصل، صراع متخيل لا معنى ولا قيمة له مقارنة بكم العبء النفسي والروحي الذي نتعرض له بسببه، لندرك في وقت متأخر غالبا أن المحافظة على حالتنا الروحية والنفسية الجيدة، أهم بكثير من محاولة تغيير وجهة نظر شخص ليس لديه استعداد أو رغبة في تغييرها.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق