برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
قهوة السابعة

الزمن المدهش

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

حين التهمت الأفعى نبتة الشباب، خاصة «جلجامش» انسلخ جلدها فحصلت على عمر آخر وعاشت مجددا، كان ذاك ما يصبو إليه بطل الأسطورة، أثناء رحلته في البحث عن إكسير الحياة وسر الخلود، طامحا للعيش بشباب ممتد لا ينتهي وقوة وفتوة، كارها فكرة النهاية والضعف والمرض المقترن بالكهولة والكبر، التي ظلت تؤرقه مذ اختطف الموت رفيقه «أنكيدو» أمام عينه، ولنا أن نعتبر ذلك رؤية خاصة حول الزمن، باعتبار الأساطير حضارة الخوارق.

وحين تفوّق الفراعنة في تحنيط الأجساد وحفظها من تأثير العفن والموت وتخليد مقابرهم، كان ذلك رؤية أخرى حول الزمن، لكن كانوا أكثر واقعية، فبالعلم أبقوا الجسد وإن عجزوا عن إبقاء الروح، باعتبار حضارتهم انتصرت على الموت.

ويظل الزمن هاجس الفلاسفة والعلماء على مر الزمن، الشاهد أنه لا يكاد يخلو عصر من تناول علمائه لمعضلة ماهية الوقت وكيف يمضي، إن الجميع يتأرجح ما بين محاولة إثبات وهميته وإثبات حقيقته، فحين ذكر أرسطو أن الزمن مرتبط بالحدث، كان ذلك جزءا من فرضية تشكل حقيقة، فبالفعل الأحداث الكونية مرتبطة بزمن معين، ولنا أن نعتبر حضارتهم انتصرت بالعقل، وحين عاكسه نيوتن الرأي بقوله: الزمن ممكن أن يمضي بلا أحداث، وهذه حقيقة، حتى عندما اقتلع إينشتاين ثبات الأزمنة بنظريته، وأثبت أن الزمان متحرك ومتغير من مكان لآخر، حقيقة أخرى.

وعندما نادى علماء الفلسفة الحديثة بفرضية ارتباط الزمان بالمكان بما يسمى بـ«الزمكان» كان ذاك جزءا من الحقيقة، حتى وإن اتصفت الأماكن بالثبات والزمن بالتغير، ناهيك عن كثير من فلاسفة العصر الحديث الذين تبنوا عكس قناعة فلاسفة اليونان، ونادوا بـ«لا عقلانية الزمن» وليسوا علماء الفيزياء بأقل منهم في إبداء رؤيتهم، حيث تشدقوا عبر نظرياتهم المتعددة بوهمية الزمن.

إن كل ما تطرق له العلماء والفلاسفة يظل في دائرة الدراسة والعقل، والحقيقة ألا شيء حقيقي كالزمن، ولا شيء أكبر وهما منه، لكن الممتع والمؤثر هو تناول الأدباء والشعراء له، فلهم معه -بكل إشكالياته- حكاية لا تنتهي عبّروا به عن معاناتهم ومشاعرهم، وأدركوا المحسوسات وما وراءها بجمالية، من خلال قوالبهم الأدبية وبنيتهم الشعرية.

إن الكتاب والشعراء يعبرون عن الوجود بجنون وبعقل، متنقلين عبر الإيقاع الزمني، مصطحبين معهم نهم القارئ المأخوذ بالفن والجمال، وعقل الناقد الباحث عن جودة العمل الأدبي، سيما أن الخيال والشعور جناحان يخترق بهما الكاتب والشاعر بوابة الزمن، فكم من شاعر وكاتب خرجا بالقارئ والناقد من إطار الزمن ودلفا بهما عوالم المستقبل المدهش.

فاطمة اليعيش

فاطمة اليعيش , حاصلة على الاجازة الاكاديمية في مجال التربية , مهتمة في التمية وتطوير الذات , عملت في وزارة التعليم وشاركت في العديد من الدورات والورش المتخصصة في مجال الصحافة والتربية والتعليم , لها العديد من المساهمات في مجال الاختبارات والقياس , كتبت في عدد من الصحف منها صحيفة اليوم و الشرق

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق