هبوب النود

سدّ النهضة.. وصبر العرب

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

منذ جنحت إثيوبيا للتفكير في بناء سدّ النهضة، والأخبار تتوالى بأنّ الأمر لم يكن حاجة ملحَّةً لتجميع المياه في البلد الزراعي مترامي الأطراف وأمطاره لا تكاد تتوقّف، وهو البلد الذي يعيش كثيرٌ من مواطنيه تحت خط الفقر، بل ويهيمون على وجوههم في بلدان العالم بحثا عن لقمة العيش في مهنٍ لا تتعدى راعي ماشية أو عاملا في مزرعة، بل إن الأمر يبدو فخّا وقَعَ في الإثيوبيون، وخديعة قد تكلّفهم ما قد لا تُحمَدُ عُقْباه في ساعةِ لا يُفيدُ الندم، ويجب أن تعي حكومة إثيوبيا أن المبالغة في استعداء مصر سيغضب العرب جميعا، ولن يطول صبرهم عليها، وهذا انتحار سياسي للنظام الحاكم في إثيوبيا، الذي تؤزّه قطر وتركيا في الآونة الأخيرة حسب بعض الروايات، التي تؤكد أن قطر وتركيا موّلتا جزءا من الإنشاءات ليس من أجل إثيوبيا بل عداءً لمصر ورئيسها الحالي عبدالفتاح السيسي، الذي ترى قطر وتركيا أنه دمّر مشروع الإخوان في مصر وهو كذلك.

ينبع نهر النيل «الأبيض» من بحيرة فيكتوريا في أوغندا، وينبع النيل «الأزرق» مثار الجدل، من بحيرة تانا في إثيوبيا، ويلتقي النيلان في الخرطوم السودانية، يتحوّلان إلى نهرٍ واحدٍ، يتجاوز السودان منتهيا بحلفا قبل الدخول إلى مصر عبر أسوان التي بها السدّ العالي.

اتفقت مصر والسودان على اقتسام مياه النيل بمعزلٍ عن إثيوبيا وأوغندا في ستينيات القرن الماضي، وحصلت مصر على الحصةً الأكبر، وكانت هذه الاتفاقية قد سبقتها في الخمسينيات اتفاقية بين دول المنبع، أوغندا وإثيوبيا ودول المصب، السودان ومصر، لحفظ حصة مصر الكبيرة من المياه.

يرى بعض المراقبين أن تأثير السد الإثيوبي لن يكون سلبيا بشكلٍ كبير على السودان، بل قد يكون انحسار المياه سببا في كسب مساحاتٍ زراعية واسعة، ويحمي السودان من الفيضانات وكوارثها، لكن الجانب السلبي هو غرق السودان بأكمله في حال انهيار سدّ النهضة، وكذلك عند انخفاض مستوى مياه النيل ستتعطّل توربينات خزان «الرُّوصَيْرِص» الذي يمدُّ السودان بنصف احتياجه من الكهرباء.

أما مصر وهي المتضرر الأكبر جرّاءَ هذا الأذى، فضررها الواضح هو انخفاض مستوى المياه، الذي سيؤدي إلى مشكلات زراعية واقتصادية وتنموية، قد ترغم الحكومة المصرية على اللجوء لمخزونات السدّ العالي، وبالتالي سيقلل من قدرة السدّ على إنتاج الطاقة الكهرومائية، بسبب انخفاض مستوى مياه النيل.

في مارس 2012م قال الإخواني المعزول الرئيس السوداني السابق عمر البشير إنه يؤيد بناء سدّ النهضة، ثم رفض في 15 نوفمبر 2017م الموافقة على التقرير الاستهلالي حول سد النهضة، بعد الاجتماع الثلاثي في القاهرة، وقد اصطفّ إلى جانب إثيوبيا يومئذٍ، وهو كان ربيب قطر وتركيا، قبل أن يلفظه السودانيون ويسجنوه.

التفاتة:

غريبٌ أمر هذه الدويلة «قطر» ونظامها الذي يدسُّ أنفَه في كل أمرٍ يضر الدول العربية، ويقحِمُ أموال شعبه ويُبعثر ملايين الدولارات في سبيل إذكاء نيران الفِتن، وهو لا يجني جراء ذلك إلا السخرية والاستهزاء والويل والثُّبور.

وقفة:

إن اضطلاع جامعة الدول العربية بواجبها تجاه الشقيقتين مصر والسودان، يحتّم عليها إرغام إثيوبيا على التفاهم وإدارة السد بمشاركة جارتيها مصر والسودان، والرضوخ للسلم، أو فرض العقوبات عليها كي تعيدها للحقّ وبقاء المصالح المشتركة بينها وبين الدول العربية، أو ترزح تحت أضرارها عقودا طويلة، وتدفع ثمن تعنتها والاستهانة بمبدأ حسن الجوار، كما يجب أن تسعى الجامعة العربية لكبح الجِماح القطري التآمري العلني على شقيقاتها العربية، كي تذعنَ مرغمةً للحق الواضح الصحيح.

فهد البندر

رئيس قسم اللغة العربية بأكاديمية الملك فهد بلندن سابقاً، كتب الرأي في صحف البلاد والحياة وعكاظ.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى