برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
ناصية

مَشْكَلة التعليم واللحظات الحرجة

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

أذكر ويذكر أبناء جيلي الذين بدأوا تعليمهم قبل أكثر من أربعين عاما، أننا تتلمذنا وفق المدرسة التقليدية المعتمدة على التلقين في جلّ ممارساتها، وأنّ المميزين منّا -الشطّار آنذاك- كانوا هم الحفّاظ البارعون الذين يصمّون الكتاب المقرّر عن ظهر قلب، إذ كان معلمونا الكرام حينها يجتهدون في ترسيخ المعلومة، وفق مبدأ التكرار لفظا وتدوينا واسترجاعا، محيطين ذلك كلّه بقانون الثواب والعقاب وإن كانت العقوبة المشدّدة هي الأكثر حضورا وتأثيرا.

الأمر الذي أدّى إلى جعل المدرسة بيئة تعليميةً صرفة ذات اتجاهين، تهبط المعلومات عبر أحدهما من المعلم إلى طلابه وتعود -كما هي- إليه عبر الاتجاه الآخر، ويندر أن تجد فيها حالة تعلّم ذاتي موقفي بَلْهَ عن أن يكون الموقف التعليمي حواريا ذا اتجاهات حرّة متعددة.

وبالحديث عن حالة التعلّم الإيجابية المؤطرة بعدد من الفاعليات، والمتعالقة مع خصائص النّمو العمرية، فإن علماء التفكير الفلسفي التعليمي يعتقدون أنّ أيّ كائن حي يريد أن يتعلم أمرا ما، فلا بدّ من مروره بلحظة مهمة هي «اللحظة الحرجة» التي أشار إليها المربّي والفيلسوف الأمريكي جون ديوي، ويفسّرها بأنها النقطة الفاصلة بين الحياة والموت عند الكائنات الحية.

من جهة أخرى وفيما يخص حالة التلقي داخل قاعة الصف، فإن أفضل حالات التعلّم تحدث حين يشعر المتعلّم بلحظة حرجة، أو قل تساؤل مثير يدفعه دفعا إلى مواجهة المشكلة التعلّمية ومن ثم العمل على حلّها وفق خطوات متدرّجة تتمرحل، حتى تصل به إلى مرحلة تفكيك المشكلة، ومن ثمّ الوصول إلى الحلّ، وهو ما ترتكز عليه عمليات البحث العلمي وأسئلته السابرة، وما نسميه في استراتيجيات التدريس الحديثة «التعلّم بالاستقصاء» عملا بالمنهج الشكّي أو مبدأ الشكّ في المعلومة وإثارة الأسئلة حولها، والعمل على استقصاء الإجابات فرضيا ثم تجريبيا. حتى يتمّ التثبت بصورة نهائية.

وهذا كلّه لن يتأتى دون إيمان المؤسسة التعليمية ومنسوبيها من القادة والمعلمين الفضلاء والمشرفين بأهمية «مَشْكَلة التعليم» أي تقديمه على صورة مشكلات تعلّمية يواجهها الطالب بأدوات البحث والتقصي، منطلقا من دافعية داخلية يحفزها معلّم خبير انتظم في برامج تدريبية حقيقية بعيدة عن الممارسات المنمّطة والشكلية، التي تقود إلى «وهم التدريب» موضوع المقالة المقبلة بمشيئة الله.

يحيى العلكمي

يحيى بن محمد العلكمي، متخصص في اللغة العربية وآدابها من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، عمل رئيسًا لتحرير مجلة بيادر الصادرة عن نادي أبها الأدبي ، ورئيسًا لقسم اللغة العربية و لجنة التدريب والتطوير في الإدارة العامة للتعليم بمنطقة عسير. مدرب معتمد من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، عضو منتدى السرد بنادي أبها الأدبي. و عضو مؤسس لجمعية المسرحيين السعوديين، عمل في الصحافة، وكتب المقال في عدد من وسائل الاعلام المحلية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق