مسامرة

هل ما زلتم إخوانا؟

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

كيف تقيسون قرابتكم الحقيقية بإخوانكم وأخواتكم؟

لا شك أنكم أيام الطفولة شعرتم بهذه القرابة متمثلةً في عدة أشياء، حيث كنتم قريبين في كل شيء، فسكنكم كان في غرفةٍ واحدة أو في غرفٍ متلاصقة في منزلٍ والدكم، وقبل ذلك فقد جمعكم رحمٌ واحد تخلّقتم فيه، وحجرٌ واحد تربّيتم فيه، وثديٌ واحد رضعتم منه، كنتم تعيشون معا طيلة الوقت ورغم أنكم كنتم تتعاركون أحيانا ولكنكم لم تكونوا تستغنون عن بعضكم البعض، ولو نام أحدُكم في بيت خالته عدةَ ليال لأضناكم إليه الشوق.

قرابتكم حينئذٍ كانت حقيقيةً وملموسة، وتتعدى كون أسمائكم متراصةً في صفحةٍ واحدة في تابعية دفتر عائلة أبيكم.

ولكن ماذا بعد ذلك؟ ماذا بعد أن غادرتم هذه المشتركات وفرّقتكم الحياة، واستقل كلٌّ منكم بحياته الخاصة وانشغل كلٌّ منكم بزوجه وأبنائه وهموم حياته؟ ماذا بقي من تلك القرابة بينكم وماذا بقي من شواهدها ودلائلها؟

في واحدة من دورات التدريب البديعة التي حضرتُها عن القيادة والإدارة، تعلّمت أن القائد أو المدير الذي يزعم أنه مهتمٌ بشيءٍ ما -كتدريب موظفيه مثلا- يمكن أن يُختبر عن مدى صدقه في هذا الزعم بالرجوع إلى جدول أعماله اليومي والأسبوعي والشهري، وإلى بنود ميزانيته.

المهتم بشيء ما يوليه المصادر المطلوبة، ومن يزعم أنه مهتمٌ بشيء عليه أن يثبت بطريقة عملية أنه كذلك، بالنظر إلى جدول أعمال المدير أو القائد ابحث عن الوقت الذي خصصه هذا المدير في جدوله للأنشطة المتعلقة بتدريب موظفيه، ثم انظر إلى تفاصيل ميزانيته التي وضعها، وابحث عن ذلك البند من الميزانية الذي خصصه لتدريب موظفيه، فإن لم تجد ما يوافق ذلك الزعم فلا حقيقة له.

لا يمكنك أن تزعم أن لك أخا حقيقيا أو أختا حقيقية في هذه الدنيا، بينما هو / هي لا يمثّل جزءا حقيقيا من حياتك، ليس له خانة في اهتماماتك وجدول أعمالك، لا في وقتك وجهدك الذي تبذله، ولا في مالك الذي تصرفه.

من أكبر نعم الله عليّ أنني -ولله الحمد- لا أعاني من مثل هذه الأخوة الفارغة، ولكنني أقول هذا الكلام بكل أسى لكثرة ما أرى حولي من نماذج تلك الأخوة الصورية، التي لا رصيد لها في الواقع، وطالما سألتُ أخا عن أخيه فاكتشفت أني أكثر قربا لأخيه منه وأكثر اطلاعا على أحواله منه.

في هذا الزمن الذي فرضت فيه ظروف الحياة التباعد الجغرافي بين الأخوة طلبا للرزق، وزادت فيه مشاغل الحياة وهمومها وتحدياتها، صار من السهل جدا أن نقع كلّنا ضحايا لمثل هذه الأخوة المتلاشية.

لن أضع هنا الحلول، فالأحدب يعرف كيف ينام، ولكنني اكتشفت من واقع تجربة أن من الحلول العملية جدا هو أن يتفق الأخوة على وضع موعد ومكان، للقاء أسبوعي أو شهري أو سنوي، وذلك أضعف الإيمان، يجمعهم جميعا بمعية أبنائهم، لكي يشعر أبناؤهم بالقرابة مع أبناء أعمامهم وأخوالهم وعماتهم وخالاتهم، وأن يبذلوا أقصى ما في وسعهم لتفريغ أنفسهم، للالتزام بحضور هذا اللقاء مع أبنائهم، وأن توضع ميزانية يشترك فيها الجميع أو يتكفّل بها المقتدرون منهم، للتكفل بمصاريف هذا اللقاء الذي لا بد أن تكون الوليمة / الوجبة جزءا منه.

في نظري الشخصي القاصر، أرى أن في فرض وترسيم مثل هذا اللقاء العائلي الدوري، وإمضائه في وقته المقرّر بكل حزم -بمن حضر- إبقاءٌ على الحد الأدنى من الأخوة الحقيقية.

محمد العيسى

بكالوريوس هندسة ميكانيكية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، عضو في منظمة التوستماسترز العالمية منذ عام ٢٠٠٥ م وحاصل على وسام التوستماستر المتميّز، له سجل كبير من البطولات في مسابقات الخطابة، وألقى الكثير من الخطب والمحاضرات وورش العمل المتعلّقة بفنون التواصل وتطوير الذات، كتب في عدد من الصحف السعودية

‫4 تعليقات

  1. كلام من ذهب ، أخوك سبح معك في بطن واحد ، فهل ألهتك عائلتك وأشغالك عن السؤال عنه

اترك رداً على محمد السلطان إلغاء الرد

زر الذهاب إلى الأعلى