اَراء سعودية
بُعد آخر

«ليزا» ومكتبها الافتراضي

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

تراكم التجارب يصقل الخبرة ويعزز المعرفة والمهارة، ليس المعلمون والطلبة وحدهم من مروا بواحدة من أغرب التجارب في مسيرتهم المهنية والتعليمية، خلال الأشهر القليلة الماضية، لكنهم كانوا بالتأكيد إحدى أكثر الشرائح محاولة للتأقلم مع الوضع الجديد الذي فرضه «كوفيد-19» على الواقع التعليمي.

هناك في مبنى تعليمي ذي طراز تقليدي عريق في مدينة يورك بولاية بنسلفانيا الأمريكية، عايشت ليزا لوماستر الأستاذة الجامعية في كلية يورك الخاصة، كغيرها من الأساتذة على مستوى العالم، تلك النقلة الدراماتيكية -بحسب وصفها- للانتقال في الربيع الماضي من التعليم التقليدي إلى التعليم الإلكتروني دون سابق إنذار، وكأي تجربة جديدة فالأخطاء واردة والهفوات متوقعة، وهذا ما حصل مع «ليزا» لكن الجميل هو خروجها ببعض الحلول التي ساعدتها في خوض تجربة التحول تلك.

يأتي التعليم غير المتزامن في مقدمة الحلول، إدراكا منها بأن آليات التعليم في الوضع الجديد تحتاجُ إلى قدرٍ كبير من المرونة، خصوصا في التعامل مع الطلبة الجامعيين، لذا فقد أعادت تصميم الكثير من مفردات مقرراتها بشكلٍ يتيح لطلبتها التعلم في الزمان والمكان الذي يختارونه، بدلا من تقييدهم بساعات محددة لعقد اللقاءات الإلكترونية المتزامنة.

ماذا عن الساعات المكتبية المخصص جزءٌ منها لاستقبال الطلبة؟ أحالت «ليزا» ساعاتها المكتبية إلى منصة زوم، تتواجد في أوقاتٍ محددة من اليوم على المنصة وتنتظر ظهور طلبتها، وإن لم يظهروا فهي تستفيد من ذلك الوقت في الانتهاء من أعمالٍ مكتبية أخرى، وقد وجدتها طريقة مثمرة للاستمرارية في الانضباط والتقيد بجدول محدد.

أما عن استعراض الشرائح التعليمية أثناء المحاضرة، وعلى الرغم مما يستهلكه ذلك من وقتٍ في الإعداد والتصميم، إلا أنها وبشهادة من طلبتها، قد وجدتها طريقة فعالة وبديلا ناجعا للمحاضرة التقليدية، إضافةً إلى عملها على إخراج فيديوهات بشكل أسبوعي، ترسل من خلالها تحياتها إلى طلبتها وتسردُ التعليمات للمهام التي كلفتهم بها على مدى الفصل الدراسي، كانت «ليزا» تحرص على أن تكون مقاطع الفيديو مختصرة وبسيطة، تاركةً العبء الأكثر والتفاصيل الأخرى لتكون ضمن ملفات PDF.

استعانت «ليزا» كذلك بمنصاتٍ تعليمية اجتماعية من اقتراح طلبتها، كـ«Flipgrid» واللوح الإلكتروني «Padlet» آخذةً بعين الاعتبار وجود شريحة من الطلبة ممن لا يحبذون الظهور في الفيديو، وبالتالي فقد كانت تترك لهم حرية الاكتفاء بالتواصل النصي.

أما عن الاختبارات التقليدية، فقد جعلت هذه الأزمة «ليزا» تعيد التفكير في جدواها كأداة وحيدة للتقييم، اتجهت عوضا عن ذلك إلى الواجبات القصيرة وملفات الإنجاز الإلكترونية والمسابقات، هذه كانت تجربة «ليزا» وأنا على يقينٍ بأن لدى أساتذة الجامعات والمعلمين والمعلمات على امتداد وطننا نماذج لتجارب أخرى رائعة تستحق التأمل والتعميم كي يستفاد منها.

ستمضي هذه الجائحة قريبا إلى غير رجعة بإذن الله، لكن فيها من الدروس والعبر ما يستحق الحفظ والتدوين.

ايمن العريشي

ايمن علي العريشي: محاضر وباحث في مرحلة الدكتوراة، له عدة مقالات رأي منشورة في عدة صحف سعودية وخليجية كالوطن السعودية و الجزيرة والحياة والرؤية الإمارتية وإيلاف الإلكترونية و موقع هات بوست.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق