اَراء سعودية
آراء وأفكار

أنت غريب!

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

تبدأ الرحلة من طريق المطار العريض والطويل، يزداد منسوب الأدرينالين في الجسم، وتتعالى فيه التوكيدات، وتتراقص فيه الأحلام المعلقة على خانة الانتظار، تتكاثر الأسئلة الوجودية والأخرى الميتافيزيقية.

في طريق المطار تحن إلى وطنك قبل مغادرته، يتربص بك ذلك المجهول الذي ينتظرك هناك، في البلاد المهاجر إليها.

تصل إلى المطار وتزداد دهشتك أكثر، وتظل تراقب الناس من حولك في صمت، العائدين والذاهبين والمترقبين والمنتظرين على مشارف وعود قُطعت، ربما قد يفي أصحابها، والعشاق يودعون بعضهم على أمل لقاء مرتقب بعد أشهر أو سنوات.

في المطار تتشابك النوايا، نية السفر من أجل الاستجمام، ونية السفر من أجل العمل، أو نية الهروب من الواقع المرير أملا في واقع أحسن، يسافر الإنسان محملا بالأحلام والوعود والآمال الكبرى لصناعة مستقبل واعد يصلح لمستوى تطلعاته.

المطار وطن من لا وطن له، وطن اللامنتمين، مكان يجمع شتات الإنسان بمختلف الأطياف والألوان والثقافات والجنسيات، الكل يصبح سواء.

المطار يشبه الحياة، لا قرار فيه ولا استقرار، بل صلة وصل بين دارين، دار تحمل ماضينا وذكرياتنا وإنجازاتنا العظمى وأناساً تعلقنا بهم، وموروثا يتبعنا ويجعلنا مثقلين بمبادئ وقناعات تعيق تقدمنا، بين ما نحن عليه وما نملك وما يعرفنا به المجتمع، ما حصلنا عليه من مال وجاه وزوج وبيت وأولاد، كهدايا من القدر.

ودار أخرى تجسد أحلامنا المستقبلية وعملنا المحترم وبيتنا الذي تطل نوافذه على البحر.

دار تجسد طموحاتنا ورغبتنا في التغيير، وتطرح أمامنا أسئلة عن الهوية، وعن الدين، وعن الانتماء، وعن الاندماج في بلد الغير، وعن الغربة التي قد يصعقنا بردها في الشتاء.

تضع قدمك في الغربة، ويأتيك الحنين من أولى خطواتك هناك، تتذكر حزن الوطن الهادئ والبسيط الذي ينسحب على جدران القلب، كما تنسحب الأمواج الصغيرة على الشاطئ العجوز، ينزل بخشوع مثقل، يهمس ولا يمزق، أما في الغربة فالحزن ثمل، ثقيل ومتخم بالذكريات والأزليات، تتضارب كل ملامح البؤس على أن تعتلي سيماء وجهك الحزين، الباعث عن السخرية، فأنت غريب في البلد الجديد وتصبح غريبا في وطنك الأصلي كذلك.

وهذا في حد ذاته نقيض لاذع يميزك بين الوجوه، أنت مجرد غريب.

مشعل أبا الودع

مشعل أبا الودع الحربي، بكالوريوس إعلام، كاتب في عدد من الصحف العربية والخليجية، صدر له كتاب «مقالات أبا الودع في الألفية».

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق