برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
صدى القرية

سيطرة المذهب الواحد

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

عندما يسيطر مذهب فكري على مجتمع من المجتمعات، فإنه يتفاعل مع ظروف ذلك المجتمع وطبيعة أهله النفسانية والأخلاقية والثقافية، ويتأثر بتركيبة دعاته النفسية وحاجاتهم ورغباتهم ومطامعهم وطموحاتهم السياسية وخصوماتهم الاجتماعية، وتختلط كل هذه المكونات وتنصهر في بوتقة واحدة لتصبح عقيدة مقدسة عند الاتباع، لا يستطيعون التفريق بين المقدس والبشري منها، ولا بين العام الكلي والخاص الظرفي، معطلين العقل والضمير ومتبنين لها إما رغبا أو رهبا.

كل مذهب قد أحاط نفسه بسيوف ونصوص التكفير والتبديع والتخوين، التي يشهرها في وجه منتقديه أو المتشككين فيه ويغيبهم ويغتالهم بها اجتماعيا وثقافيا أو جسديا، وكلما قل علم التابع وثقافته وتحضره، زادت انفعاليته لهذا المذهب وتضخمت ذاته به وتضاعفت حدته في الدعوة إليه والتعصب له والدفاع عنه والموت في سبيله، وكراهية المختلفين معه والحقد عليهم، واحتقارهم، وسلبهم إنسانيتهم وآدميتهم، فيرتكب في حقهم الفظائع والجرائم دون شفقة ولا رحمة ولا ضمير، معتبرا ذلك من صدق اليقين وتمام الإيمان والإثخان في الأعداء.

وسأضع «الصحوة» كمذهب فكري ساد في العقود الماضية، على مشرحة النقد التي تبرز عيبا جوهريا وخللا إنسانيا يجهله أتباعها والمتعاطفون معها، الذين انخدعوا بأطروحاتها وتنظيرها.

لقد قامت «الصحوة» على التفسير العنيف للحديث الذي ضعفه ابن حزم والشوكاني وابن الوزير وغيرهم «تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» وهو حديث مشهور في كتب السنة والشيعة واعتمدته جماعات الإسلام السياسي، للتصنيف والتحريض والتحريش بين الطوائف والمجتمعات، واستعداء السلطة والمجتمع على المختلفين معها، واستخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة في تشويه واستفزاز المخالفين لها، واستحلال أعراضهم، وتصيد زلاتهم وتضخيمها، وتأويل مقالاتهم وتحريفها، وانتقاد الحكومات التي لا تتوافق مع منهجها وأيديولوجيتها، وتضخيم قصورها وإخفاء وتصغير إنجازاتها، وتثوير الشعوب عليها.

ورفض كل تحديث أو تطوير أو إصلاح لأنظمة هذه الدول ومؤسساتها، بما يتناسب مع قيم العصر الإنسانية، كالعدالة والحرية والمساواة على أسس المواطنة وحدها، وتمكين المرأة ونظريات العلوم الحديثة وتسميتها لهذه الإصلاحات «تقليدا للغرب وتشبها بالكفار» وتهويل أخطاء المجتمعات والتباكي عليها، لتخلق الرعب والخوف في نفوس الجماهير والناشئة، وتدفعهم نحو تصديقها واتباع أيديولوجيتها وكأنها الناجي الوحيد والمؤمن الأخير.

مستغلة أمية الجماهير وحاجاتهم، وما توزعه  عليهم من الزكوات والتبرعات وبطاقات الجمعيات الخيرية، وما تقيمه لهم من ولائم ومناسبات ومؤتمرات  باسم الدعوة، وما تملكه من منابر وقنوات لحشد الجموع وأدلجة الأجيال.

وقد استطاعت هذه الجماعات اكتساح المجتمعات والتغلغل في المؤسسات، فأنشأت أجيالا لا ترى في الإسلام إلا الغزو وقطع الرؤوس والسبي والغنائم واحتلال الشعوب والبلدان، والقضاء على كل مخالف ومختلف فوق الأرض، فلا تتعجب حين تنتصر ثورة راديكالية طائفية متوحشة في إيران، لتؤسس أول دولة للإسلام السياسي في العالم، أو حين يفوز حزب يعزف على وتر الطائفية وأحلام عودة الخلافة الإسلامية في تركيا، ويوظف جهلاء العرب كعملاء له ضد أوطانهم، لتحقيق أحلامه ومصالحه الطورانية الشعوبية، أو عندما يكتسح حزبا الإخوان والنور انتخابات مجلس الشعب المصري عام 2011م بنسبة تزيد عن 76 في المئة، إنها حصيلة طبيعية في مجتمعات تمت أدلجتها بمفاهيم الإسلام السياسي ومنهجه وكتبه ومحاضراته، وتسيدت فيها رموزه المشهد الثقافي والتعليمي عقودا طويلة، اغتالوا وسجنوا وحيَّدوا فيها كل منتقد لهم أو محتجٍ على ديكتاتوريتهم الفكرية الصاخبة.

أحمد الغيلاني

أحمد محمد علي الغيلاني، طالب دكتوراه، ماجستير في أصول التربية من جامعة الإمام محمد بن سعود، له أربعه مؤلفات مطبوعة، وثلاثة أخرى تحت الطباعة. مارس الكتابة الصحفية في عدد من الصحف السعودية والخليجية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق