اَراء سعودية
أَشرِعة

حفرة الكذب

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

سأعترف بِكِبَر سنِّي لا عن رضاي، ولكن السياق سيجعل القارئ يعرف أني شايب، لأني سأعود به إلى زمن ذكّرني به وباء كورونا، الذي أجبر «عباد الله» على اتخاذ احتياطات وقائية، فُرِضت معظمها من قبل الدولة لحماية الناس من هذا الوباء الخبيث.

وكلنا يعرف أن من ضمن تلك الاحتياطات الوقائية، إغلاق صالونات الحلاقة، وهذا ما أعادني إلى ذلك الزمن الذي لا توجد فيه «صوالين للحلاقة» وفي مجتمعي الذي أعيش فيه، كانت هناك طريقتان إحداهما عندما أصبح أو يُصبح أحد من أفراد الأسرة الذكور «مكعّش» أي غزير شعر الرأس أكثر مما يجب، أو بعبارة أخرى «شَعره كاشر» فإنه يتم استدعاء «المزَيِّن» الذي يأتي -حسب ما أذكر- وبيده شنطة خشبية أو جلدية ضمن محتوياتها «موس» أو موسى كما هو اسمها العربي الفصيح، ومع الموس مِسَن، أعتقد أنه قطعة حجرية أحد جوانبها ناعم جدا تُسن عليه تلك الموس.

وفي إحدى زوايا المنزل -البعيدة عن الأثاث- يجلس الشخص الذي يريد أن يحلق رأسه، ويبلل شعره بالماء وبرغوة الصابون، ومن ثَم يبدأ المزيِّن الحلاقة إلى أن يترك الرأس المحلوق «قاعا صفصفا»

وعادة -بعد الحلاقة- ربما يلقاني شخص أو أكثر ويسألني: من دبّع لك؟ أو متى دبّعت؟ أي من حلق لك؟ أو متى حلقت؟ ثم يغافلني ويصفعني -بكفِّه- على صلعتي وهو يقول: يا مدَبّع سلّفني أربع.

أحيانا أي فرد من العائلة: الأب، أو العم، أو الأخ… إلخ،  وأحيانا بعض الأصدقاء يتكرمون بالقيام بما يقوم به المزيِّن، ولكن ليس بالموسى، وإنما بشفرة من شفرات الحلاقة التي تباع -في الدكاكين آنذاك- ويسمونها «لامة» وعندما يصل إلى مؤخرة الرأس، ويتحسس بأصابعه الحفرة الموجودة -في تلك المنطقة- فإذا ما وجد أنها عميقة قال لصاحبها من باب الدعابة «أثارك كذاب كبير» لأن ذلك في الموروث الشعبي لدينا أنه كلما كانت الحفرة عميقة كان صاحبها -في الكذب- لا يُسبق، ولا يُلحق.

هذه الخواطر تذكرتها الآن بعد أن «كَعَّشْت» ووجدت شعر رأسي «كاشرا» ولم أجد -بسبب كورونا- صالونا أدَبّع شعر رأسي فيه، الأمر الذي جعلني أبحث عمّن يُدَبِّع لي، ولأن كل الأصدقاء صاروا يخافون من بعضهم فلم أجد إلا نفسي عندما أمسكت بشفرة الحلاقة، وروحت أمسح رأسي -طولا وعرضا- لأجد في النهاية أني قد أسلت دمائي بما يستحق معه أن أعرض نفسي على طبيب، ولكن ذلك كله لم يهمني بمقدار ما تحسست عُمق مؤخرة رأسي التي أوحت لي بهذا السؤال: هل أنا كذّاب بمقدار العمق الذي غاصت فيه أصابعي؟.

إبراهيم مفتاح

إبراهيم عبدالله مفتاح، شاعر سعودي، عضو مجلس منطقة جازان والمشرف على الآثار في جزر فرسان جنوب السعودية، عضو في العديد من اللجان والمجالس منها مجلس إدارة نادي جازان الأدبي، ونادي الصواري الرياضي بفرسان. شارك في إحياء العديد من الأمسيات الشعرية في معظم النوادي الأدبية بالسعودية، وكاتب مقالة في الصحف السعودية. حصل على جائزة الشعر الفصيح ضمن جائزة أبها الثقافية لعام 1417هـ التي يرعاها خالد الفيصل أمير منطقة عسير آنذاك، كما مثل السعودية في عدد من المناسبات الثقافية، منها: الأسبوع الثقافي السعودي في الإمارات العربية المتحدة عام 1417هـ، والمؤتمر الثاني والعشرين للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، والمهرجان الثالث والعشرين للشعر العربي عام 2003 في الجزائر. كُرم من قبل مركز الملك فهد الثقافي بالرياض عام 1438هـ واثنينية عبدالمقصود خوجة في جدة عام 1430هـ، كما كرم من جامعة جيزان عام 1431هـ، وتم اختياره عام 1436هـ كشخصية ثقافية في منطقة جيزان برعاية أمير المنطقة. له العديد من الإصدارات منها: احمرار الصمت، رائحة التراب، أدب الأشجار في جزر فرسان، فرسان.. الناس.. البحر والتاريخ، الصنبوق وأم الصبيان.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق