اَراء سعودية
قهوة السابعة

معضلة القنفذ

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

صحيح أن النفس البشرية ليست ملائكية، لكنها أيضا ليست من طينة إبليس، فالعقل الذي تمتلكه يخولها للتحكم في سلوكها مهما كانت مجريات نشأتها وتربيتها، لذلك هي المسؤولة عنه، وتتحمل تبعات تصرفاتها.

إن اختراق الحدود اعتداء سافر على خصوصية الآخر، فلا سن المعتدي ولا منصبه ولا شهادته ولا صلة رحمه، تعطيه جواز العبور لحدود الآخرين.

من أجل ذلك، نرى أن الأذكياء لا يقبلون التضحية باستمرارية علاقاتهم الاجتماعية والعملية والشخصية، لمجرد رغبتهم في الاستحواذ على رأي ما، أو لعدم قدرتهم على التحكم في فضولهم، واستنادا على «فلسفة القنفذ» هم يدركون متى تتوافق حدودهم مع حدود الآخرين فيقتربوا ومتى تتضارب فيحبذوا الابتعاد.

الفرق بينهم وبين أصحاب القناعات الأخرى أنهم مستقلون، لذلك يقدرون مبدأ الاستقلالية فكل فرد وحقه في اختيار حدوده التي لا يسمح بتجاوزها، فتمييع الحدود ليس من مصلحة الطرفين، وإذابة حرية الفرد معناها هدم شخصيته.

والمعهود أيضا أن أصحاب المنطق يتميزون بتمهير توظيف المسافة، قربا وبعدا، لذا خسائرهم محدودة، ورؤوس أموالهم ثابتة ومكاسبهم في تزايد، ففي كل محطة من محطات حياتهم يضيفون لرصيدهم علاقات مميزة وأشخاصا مختلفين، يفتحون لهم مسارات لم تكن في الحسبان، هذه هي حصيلة احترام حدود الآخر، هم يؤمنون بألا مبرر لإزعاج من هم في محيطهم بتدخلات رعناء، لن يحصدوا من ورائها سوى خسارتهم للأبد.

هي مسألة مكاسب مادية ومحسوسة، فمن يريد زيادة مكاسبه وأحبته، فليعرف متى تبدأ حدوده معهم ومتى تنتهي، بشرط ألا تكون البداية فجّة ولا تكون النهاية جارحة، عليه أن يتقن متى ينطلق ومتى يكف؟ متى يطرح رأيه ومتى يحتفظ به لنفسه؟ متى يشارك في الحوار إن بدا مقبولا، ومتى يصمت إن كان خيرا؟ مشاعره نبيهة وسلوكه مدروس، فإن وصل لمسامعه خبر في إفشائه أذى لصاحبه طمره في صدره، وإن كان فيه فضل أشاعه، ينقل الجانب الحسن، وينتقي الأسلوب المناسب، يرى بوضوح الخطوط الحمراء التي وضعها له من يتعامل معه، فيقف عندها دون تردد أو حساسية.

هذا الاستيعاب أعطاه مع الوقت جواز عبور خاص من قِبَل من يتعامل معهم، فكأنه بذكائه واحترامه للآخرين كسب ثقتهم فزادوه قربا منهم، ومنحوه صلاحيات لم يمنحوها لغيره.

فامتلك فوق مكاسبه ما يصح لنا أن نسميه بــ«الحدود الناعمة» التي زادت ربحه، فقد نال شرف التأثير عليهم وجذبهم بكامل إرادتهم، وبذلك أتقن أحد أقوى أساليب التربية والتأثير، التي بذكاء الشخص يستطيع توظيفها في إحداث الأثر.

إن احترام الحدود يحمي من أزمة أخلاقية تمتد لأزمات معقدة غير مبررة، وهي أمر حتمي يترجم مفهوم الاختلاف والفروق، ويحافظ على عدم طمس خارطة الفرد وملامحه.

فاطمة اليعيش

فاطمة اليعيش , حاصلة على الاجازة الاكاديمية في مجال التربية , مهتمة في التمية وتطوير الذات , عملت في وزارة التعليم وشاركت في العديد من الدورات والورش المتخصصة في مجال الصحافة والتربية والتعليم , لها العديد من المساهمات في مجال الاختبارات والقياس , كتبت في عدد من الصحف منها صحيفة اليوم و الشرق

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق