اَراء سعودية
حياة

بين القطبية والبنَّائية.. تكاملٌ أم اختلاف؟

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

يرى بعض الأصدقاء المثقفين، أن هناك اختلافا منهجيا بين البنَّائية الإخوانية -نسبةً لمؤسس جماعة الإخوان الإرهابية حسن البنَّا- وبين القطبية الإخوانية -نسبةً لمنظِّر الجماعة سيد قطب- فيما يرى آخرون من الباحثين أنهما فكرٌ واحدٌ ومنهجٌ واحد، فكلُّ قطبيٍ بنَّائي، وكلُّ بنَّائيٍ قطبي.

ومن وجهة نظري أنهما أسلوبان أو طريقان تستخدمهما جماعة الإخوان –حسب ما يسمونه فقه المرحلة– مع اتفاقٍ تامٍّ على هدفٍ واحدٍ وهو الوصول للسلطة والحكم، فقد تستخدم الجماعة الأسلوب البنَّائي القائم على التوغل في مؤسسات الدول التعليمية والدينية والاجتماعية والإعلامية والأمنية وحتى العسكرية، ومحاولة الوصول لمناطق النفوذ.

وقد تستخدم الجماعة الأسلوب القطبي القائم على الصدام مع الدول أو تجنيد الشباب واستقطابهم، وبعد ذلك إلحاقهم بأذرع جماعة الإخوان العسكرية الخفية الإرهابية: داعش، بوكو حرام، النصرة، القاعدة.

ومن يتأمل في أدبيات حركة الإخوان المسلمين، فسيجد الأسلوبين ظاهرين في عمل الجماعة القائم على التكامل والتنسيق والتخصص والتنوع، يقول صلاح الصاوي أحد أهم منظّري جماعة الإخوان «ولا يبعد القول بأن مصلحة العمل الإسلامي قد تقتضي أن يقوم فريقٌ من رجاله ببعض هذه الأعمال الجهادية، ويظهر النكير عليها آخرون، ولا يبعد تحقيق ذلك عمليا إذا بلغ العمل الإسلامي مرحلةً من الرشد، ترجيحا لمصلحة استمرار رسالة الإسلاميين من غير تشويشٍ ولا إثارة»

والصاوي هنا يشهد -وهو شاهدٌ من أهلها- على أهمية وجود أسلوبين لما يسميه بالعمل الإسلامي: أحدهما يهدف إلى التوغل في مؤسسات الدولة، مع الحذر وإظهار ما لا يُبطن، فيما يقوم الآخر بالعمل الميداني الظاهر على الأرض مع الاحترازات المعتمدة على التلون والتظاهر باسم الدعوة والدين.

وفي كتابه «مدى شرعية الانتماء إلى الجماعات الإسلامية» ص 152، عقدَ صلاح الصاوي عنوانا سماه «تعدد مناهج العمل وأساليب التغيير لا يمنع من التنسيق والتكامل» وفي كتابه «الثوابت والمتغيرات» ص 327، يؤكد الصاوي على أهمية العمل السياسي لما يسميها بالحركة الإسلامية، فيقول «التأكيد على أن العمل السياسي هو أحد المجالات التي تمارس من خلالها الحركة الإسلامية دعوتها الشاملة للإصلاح والتجديد»

وقد يأتي تساؤل: كيف تتعامل الجماعة مع حالات العنف والغلو التي تمارسها الجماعة أو إحدى أذرعتها؟ وقد أجاب الصاوي عن ذلك بتوجيه الجماعة للمراوغة والتظاهر بإدانة ذلك الفعل، فيقول «القصد في إدانة الفصائل الأخرى العاملة للإسلام إدانةً علنيةً تحت شعار الغلو والتطرف، ألا نتيح للكيانات العلمانية توظيف هذه الإدانات للتشنيع على فريقٍ من المسلمين، وإحكام حبال المشانق حول أعناقهم»

ويلاحظ على الصاوي توجيه جماعته لاستخدام الأسلوب البنَّائي في التظاهر بإدانة الغلو والتطرف، لا لأجل شناعة التطرف والإرهاب وسلامة الناس والأوطان، لكن الهدف من ذلك هو: عدم إتاحة الفرصة للعلمانيين –كما يزعم- لنقد عمل الجماعة وتوقيفه والتضييق عليه، أرأيتم كيف يسوِّق هؤلاء الإرهابيون من قطبيين وبنَّائيين لجماعتهم؟ لقد ظهر من قول الصاوي –وهو أحد منظريهم- أن إدانة الغلو والتطرف عملٌ مرحلي لأجل إيهام الناس بأن جماعة الإخوان ضد التطرف والإرهاب.

وتأتي تنظيرات الصاوي الإخوانية البنَّائية لجماعته بمحاولة اختراق الطوائف الأخرى من غير أهل السنة، وكسبهم، واحتوائهم، واستخدامهم سياسيا، فيقول في كتابه «الثوابت والمتغيرات» ص 343، تحت عنوان «مداراة بعض أهل البدع»: قد تقتضي مصلحة العمل الإسلامي ألا يُدخل في مناوشات جانبية مع بعض أهل البدع، تجييشا لهم لنصرة الدعوة إلى تحكيم الشريعة، بدلا من اختراقهم من قبل الخصوم، وتحولهم إلى معسكر العلمانيين، وإسقاطا للشبهة التي يتذرع بها بعض الطواغيت في بعض البلاد.

ويلاحظ أن الهدف من التواصل مع الطوائف الأخرى ليس لأجل قيم التعايش الحضاري والوطني، وإنما هو لأجل كسبهم سياسيا ضد من يسميهم بالطواغيت ويقصد بذلك الدول وحكامها.

بل يصل الصاوي لمراحل أكثر عمقا في العمل السياسي الإخواني البنَّائي، فقد عقد عنوانا في نفس الكتاب ص 346، سماه «التحالفات المرحلية مع بعض الاتجاهات العلمانية المسالمة» ويلاحظ في هذا العنوان استخدام جماعة الإخوان أساليب الاختراق والخداع والمراوغة مع جميع الأطياف المجتمعية والسياسية.. وللحديث بقية.

عادل العُمري

أستاذ مشارك بجامعة القصيم، عضو مجلس مركز أبحاث العلوم الشرعية واللغوية بجامعة القصيم، دكتوراه في علوم القرآن والتفسير من جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، شارك في العديد من المؤتمرات والندوات داخل المملكة وخارجها، له مقالات صحفية جادة ولقاءات تلفزيونية في مختلف القضايا الشرعية والفكرية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق