برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
ناصية

وهم التدريب.. الجهد الضائع

الساعة الثامنة هو موعد بدء البرنامج التدريبي، يدلف ثلاثة من المتدربين إلى القاعة، تبدو عليهم علامات الاهتمام والحرص، يرحبّ بهم المدرّب فيما هو يرتب أوراقه ويتفقد جهازه الحاسوبي، ويرمق شاشة العرض وما تحتويه.

الثامنة والنصف والقاعة شبه فارغة، فيما تائهٌ -لمّا يستيقظ بعد- يقف عند الباب متسائلا: هل أنا هنا؟ ثم ينصرف لا يلوي على شيء، يأتي ثلاثة متدربين آخرين ورصاصات التأفف كالشرر تتطاير من أعينهم، فيما يدخل بعدَهم متدرب ملقيا بنفسه على أقرب كرسي دون أن ينبس ببنت شفة، وقد يعطي للمدرب والعرض ظهره غير آبه.

العدد لم يتجاوز العشرة، لكن المدربَ الأنيق -ذا القدرة على رسم البهجة على ملامحه- مضطرٌّ إلى أن يستجمع قواه وأحلامه ويبدأ، فالوقت يمضي وما من نكهة أبدا، يقدّم لموضوعه ثم يسأل سؤالا استفتاحيا يسيرا لا يلقَى عليه أي تجاوب، ناهيك أن يجد إجابة، وهذا كله ليس عن جهل -لا سمح الله- إنما الحاضرون لسان حالهم: متى نغادر؟ يتقبّل المدرّب على مضض الوكزة الأولى، ثم يستأنف ما هو فيه، مضمِرا الغيظ والحنق والرغبة في الانتقام، ليفاجأ بيد مرفوعة، فيستبشر متهللا: ها متدرب نجيب سيجيب، إلا أنّ رايات التفاؤل تعود منكّسة، حين يكتشف أن المتدرب الهمام يطلب الاستئذان بعد ربع ساعة لارتباط زوجته أو ابنته بموعد في عيادة، وأنه مكث دهرا ينتظر هذا الموعد الأهمّ، وهكذا يزحف البرنامج لاهثا حتى تحين ساعة الاستراحة التي يخرج فيها المتدربون السبعة، ليعودوا بعد الوقت المقرر له بدقائق، فيكتشف المدرب بحسّه الأمني أن اثنين من المتدربين ليسا ضمن الموجودين، وأنهما قد فُقدا في ظروف غامضة، وأن الأفق قد ابتلعهما إلى غير رجعة.

هذا مشهد متكرر –ولا أبالغ- وهو أحد المشاهد التي نراها في كثير من البرامج التي تقيمها إدارات التدريب، وله أسبابه ومغذياته ولا شك، وقد يكون المدرّب نفسه هو الحلقة الأضعف في مشاهد أخرى، إذ ليس من العدل أن نلقي باللائمة على المتدربين، فالمسؤولية مشتركة، والأمر يتعلق بأطراف ذات علاقة، بدءا بالفلسفة التدريبية، مرورا بنوعية البرامج المقدمة، وانتهاء بالمدربين أنفسهم من حيثُ الكفاءة والمهارة الأدائية، وبالاحترافية، وما تتطلبه من مقدرة وثقافة عميقة، تخصصية أو عامة.

«وهْمُ التدريب» بكل بوضوح، يعني أن تقدم برنامجا بعد جهد وإعداد ووقت، ويذهب كل ذلك هدرا، فلا تدريب وفق الأسس المتبعة، ولا اكتساب للمعرفة أو المهارة، ثم يبقى الحال على ما هو عليه، وندور جميعا في حلقة مكرورة مفرغة لا نهاية لها، فإن وجدنا وقتا للتوقف فسنقطّعه بالشكوى من الحال والمآل، كما أتوقع أنه سيقال عن هذه المقالة المقتضبة.

يحيى العلكمي

يحيى بن محمد العلكمي، متخصص في اللغة العربية وآدابها من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، عمل رئيسًا لتحرير مجلة بيادر الصادرة عن نادي أبها الأدبي ، ورئيسًا لقسم اللغة العربية و لجنة التدريب والتطوير في الإدارة العامة للتعليم بمنطقة عسير. مدرب معتمد من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، عضو منتدى السرد بنادي أبها الأدبي. و عضو مؤسس لجمعية المسرحيين السعوديين، عمل في الصحافة، وكتب المقال في عدد من وسائل الاعلام المحلية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق