اَراء سعودية
مسامرة

فيه «بَكِج»؟

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

ما أن يطرق مسامعي هذا السؤال «فيه بَكج؟» حتى ترتسم ابتسامةٌ واسعةٌ على وجهي.

«فيه بَكِجْ؟» سؤالٌ يتردّد كثيرا في أوساط موظفي بعض الشركات، وبالخصوص بين مَن تجاوزت أعمارُهم خمس وأربعين سنة، الذين يحلمون بإنهاء خدمتهم مبكرا من دون خسارة كثيرٍ من مميزات الانتظار في الوظيفة لحين سن التقاعد الرسمي.

بَكِج «package» هو باقة مميّزات تعرضها بعض الشركات على موظفيها في حالة مرورها بضائقة مالية، أو تحديات سوقية تفرض عليها تقليص مصروفاتها، وذلك لإغرائهم بترك الشركة قبل موعد تقاعدهم الرسمي.

ولأن بند أجور الموظفين يمثل غالبا الجزءَ الأكبر من مصروفات أي مؤسسة أو شركة، فإن الخيار الأول الذي يبرز أمام إدارة هذه الشركات لتخفيض مصروفاتها، هو التخلّص من بعض موظفيها القدامى أو الفائضين عن الحاجة من ذوي الرواتب والعوائد المالية المرهقة لميزانيتها، واستبدالهم بموظفين جدد منخفضي الرواتب والعوائد.

لأن الموظف الذي يغادر الشركة قبل سن التقاعد الرسمي «60 سنة» بعدة سنوات، يخسرُ كثيرا من العوائد المالية، المتمثلة في انخفاض مقدار راتبه التقاعدي، وخسارته لبدل السكن والبدلات والعوائد السنوية والخدمات الأخرى كالعلاج، فإن كثيرا من الموظفين يحجمون عن اتخاذ مثل هذا القرار، لذلك تقوم بعض الشركات بإغراء هؤلاء الموظفين بإعطائهم باقة عرض «بَكِج» في العادة تتكون من منحهم مبالغ مالية معتبرة «رزمة رواتب» وبعض الخدمات كضمان العلاج لهم ولعوائلهم لفترةٍ معيّنة.

ولكي تضرب الشركة عصفورين بحجر، فإنها تعرض هذه الباقة على موظفيها الأقل إنتاجا أو الفائضين عن حاجتها.

ما يثير ضحكي في هذا السؤال هو بكج «باقة» التناقضات والكوميديا السوداء التي يتضمنها هذا الأمر، أول هذه التناقضات هو أن هذا «البكج» الذي يسيل له لعاب الجميع، ويتساءلون عنه باستمرار لا يُتاح -إذا توفّر- إلا للموظفين الأقل إنتاجا أو إخلاصا للشركة، وهنا يبدو هذا «البكج» وكأنه صار مكافأة لهؤلاء الموظفين الأقل أداءً وإنتاجا للشركة.

ومن التناقضات الأخرى، هو أن الموظفين الذين يتذمرون ويتظلّمون من رؤسائهم لإعطائهم تقييمات أداء سنوية، يعتبرونها مجحفة وأقل مما يستحقون، يصبحون هم المحسودين من قبل الموظفين الأكثر حظا ممن ينالون تقييمات أداء أعلى من غيرهم.

والأشد إيلاما وإضحاكا، هو أن هذا «البكج» ولشدة الرغبة فيه والحلم به، لا يسلم من دخول الواسطة والمحسوبيات في توزيعه على مستحقيه.

مقدارُ حلم الموظفين بـ«البكج» في أي مؤسسة، وكثرة تساؤلهم عنه، قد يكون مؤشرا خفيا على البطالة المقنعة في هذه الشركة أو على هبوط الحالة المعنوية لموظفيها، إما لعدم وجود العدالة وتساوي الفرص بينهم، أو لعدم وجود فرص عملٍ وإنتاجٍ حقيقي يمارسها الموظف، ويشعر من خلالها بتحقيق ذاته ويتطلع بعدها بشغف إلى يوم عملٍ جديد، أو لأي سببٍ معنويٍ آخر.

ولأن سماعي لهذا السؤال «فيه بكج؟» يذكّرني بكل هذه التناقضات المؤلمة، ولأن شر البلية ما يُضحك، فإن هذا السؤال يُضحكني حقا.

محمد العيسى

بكالوريوس هندسة ميكانيكية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، عضو في منظمة التوستماسترز العالمية منذ عام ٢٠٠٥ م وحاصل على وسام التوستماستر المتميّز، له سجل كبير من البطولات في مسابقات الخطابة، وألقى الكثير من الخطب والمحاضرات وورش العمل المتعلّقة بفنون التواصل وتطوير الذات، كتب في عدد من الصحف السعودية

‫5 تعليقات

  1. تحليل يلامس الواقع يا بو علي ، فإما أن تكون هذه مكافئة للموظف المطنش ، أو مهرب للموظف المسحوب عليه من ظلم ومحسوبيات وبيروقراطية الإدارات

  2. مقال رائع ويعكس حقيقة اكبر الشركات ورغم هذا غالبية من استفاد من هذا البكج هم المميزين والذين لا زالو ينتجون فيأخذون البكج ويستثمرون ما تبقى من اعمارهم في اماكن تحقق لهم الاحترام والتقدير

  3. اخطأت في هذا المقال الموظف الذي شارك في قوة شبابه في استمرارية بناء وتطوير هذه الشركة وخاصة اذا بلغة خدمته اكثر من ٣٠ ألا يستحق التكريم بهذا البكج الذي سوف ينهي خدماته وفي ذلك مصلحة ومصلحة لشباب الذين ينتظرون التوظيف،، أما الموظف الذي قلت انتاجيته او إنه مهمل فتش عن الأسباب التي جعلته اقل إنتاجية ومن الطبيعي الأنسان الكبير الذي خدم اكثر من ٣٥ تكون انتاجيته اقل من الشباب المتحمس،،، واخير وفي المستقبل الموظف الشاب سوف يلام بالإهمال او تقل انتاجيته،،، وأخيرا ايضا من رزقه الله بهذا البكج فل يصفي النية لتركه عمله كي يحل مكانه شاب محتاج،. للعل الله ان يفرج على من لديه ابناء شباب بوظائف يرحل عنها اخرين

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق