اَراء سعودية
قضايا معاصرة

الحج وتحديات كورونا

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

لا شك أن أداء ركن الحج لهذا العام في ظل التحديات الصحية القائمة، يُعد من الأمور الصعبة والمعقدة، التي تحتاج لكم كبير من الجهود والنفقات المضاعفة، والإدارة المنظمة لعملية أداء الشعائر كلها، بانسيابية وأمان وانضباط يضمن السلامة لجميع الحجاج والقائمين عليه، وبما يمكن من أداء الشعائر في أوقاتها المفروضة، دون تزاحم أو إخلال بالقواعد النظامية والصحية التي تكفل الحفاظ على صحة الحجيج.

وإذ تعد إدارة الحشود الكبيرة من الأمور التي تتطلب دراسة علمية متخصصة لآلية تنظيمها وإدارتها بنجاح، فقد ضربت السعودية نموذجا رائدا في فن وتنظيم إدارة الحشود الكبيرة على مدى عقود، وتتضاعف مسؤولية إدارة الحشود ويزداد تعقيدها، عندما يتركز تجمعها في أيام معدودة ومحددة بأوقات شرعية ومقيدة بانضباط، في إطار أحكام واجتهادات مختلفة.

وعلى الرغم مما يتطلبه الحج من جهود ونفقات واستعداد تنظيمي في كل متطلباته المادية والبشرية، التي تشمل جميع المدن والمناطق التي تعد ضمن المنظومة المستقبلة للحجاج في حركتهم ذهابا وإيابا، فإن اختلاف الجنسيات واللغات والبيئات لجموع الحجيج، يُعد من المسائل التي تضيف تعقيدا وصعوبة لعملية إدارتهم بنجاح، وبما يكفل رعايتهم صحيا وأمنيا، وبما يخدم توفير كل متطلباتهم في إطار المسؤولية الوطنية وباستشعار احترام القيم الإسلامية وتعاليم الدين في حسن المعاملة، وكرم الوفادة، بما يرضي الله.

وقد سخرت السعودية جزءا غير قليل من ميزانيتها الوطنية لخدمة حجاج بيت الله الحرام، القادمين من شتى بقاع الأرض، وبما يتطلبه ذلك من متابعة لوسائل قدومهم وتيسير تنقلاتهم ما بين المناطق المقدسة وبين الشعائر، سواء قبل أداء الحج أو بعده، كما تعتبر السعودية نفسها مسؤولة عن رعايتهم وهم على أرضها كسائر المواطنين، في الوقت الذي تمنع الدول الأخرى كثيرا من الزائرين والسياح من دخول أراضيها، في ظل تفشي جائحة كورونا، لما يتطلبه ذلك من رعاية صحية مُكلفة وما يحتاجه الواقع الراهن من تعزيز الاحترازات الصحية والاجتماعية التي تضمن سلامة السكان والحجاج جميعهم.

ما تقدمه السعودية من جهود سخية في خدمة الحجيج سنويا، وما تبذله من نفقات كريمة ومستمرة في خدمة المسلمين في شتى بقاع الأرض، وما تسعى إليه من دعم لمختلف المشروعات التنموية والتطوعية في الدول الإسلامية، إنما تعتبره السعودية واجبا وطنيا وشرفا دينيا تفتخر به، بعد أن أكرمها رب العالمين بخدمة الحرمين الشريفين ورعايتهما، فاستحقت بذلك الريادة وتمكنت بجدارة من حسن القيادة لشؤون الأمة، بعد أن أثبتت أنها المرجع الموثوق والسند القوي المتين الداعم لحاجات الأمة الإسلامية ولتطلعاتها.

لا شك أن حج هذا العام كان استثنائيا بكل المقاييس، بجميع ما تضمنه موسم الحج من فعاليات، وما تطلبه من تنظيم غير مسبوق، تم في أفضل صورة وبأحسن مستوى يمكن أن تكون به خدمة الحجيج في تلك الظروف، واستشعارا لتطلعات المقيمين نحو أداء ركن الحج، فقد تم تفضيلهم وإيثارهم على المواطنين في نسبة مشاركتهم لحج هذا العام، لتتاح لهم الفرصة في تحقيق رغبتهم بالحج، بتيسير جميع سبل أدائه ليكونوا ضيوف الرحمن برعاية وطنية.

أثبتت السعودية أنها لا تتخلى عن مسؤولياتها الوطنية والدينية، تجاه المواطنين والمقيمين، حتى في الظروف والمحن الكبيرة، التي راهنت عليها دول ومنظمات دولية، في صعوبة وجودها وتعقيد إدارتها بنجاح وأمان في ظل تلك الظروف الضاغطة، وبذلك استحقت السعودية الاحترام والتقدير استحقاقا دون منازع لها، في المكانة، وفي استشعار المسؤولية الدينية تجاه الأمة الإسلامية والمسلمين في كل مكان.

عبلة مرشد

عبلة عبدالجليل مرشد، دكتوراه في فلسفة الجغرافيا البشرية من جامعة الملك سعود بالرياض، كاتبة رأي في عدد من الصحف السعودية. مهتمة بالقضايا الوطنية ذات الصلة بالتنمية في جميع مساراتها البشرية والاقتصادية، واهتمامًا خاصًا بسوق العمل والتوطين وتمكين المرأة وجودة التعليم ومخرجاته وتحقيق «رؤية 2030» إلى جانب الاهتمام بجميع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخليجية والعربية وتطلعاتها التنموية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق