برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
داخل التغطية

الكتابة مسؤولية

في نظري، أن الكتابة كالشعر من حيث توظيف اللغة ومن حيث الموهبة، وبالتالي هناك كاتب مطبوع وآخر مصنوع، يجمع الاثنان الفكرة التي يكتب عنها أيهما، هناك فكرة بسيطة لمقالة يتناولها الكاتب المطبوع بلغة جميلة تعطي الفكرة البسيطة أهميةً وقبولا، وبالمقابل فكرة عميقة يُبَسّطُها بلغة جميلة تُطرِب الخاصة ويفهمها العامة، هذا بالنسبة للكاتب المطبوع الذي تنساب لغته انسيابا متدفقا بلغة جاذبة للقارئ.

والكاتب المصنوع يستطيع الكتابة عن الفكرة البسيطة والعميقة كالكاتب المطبوع، لكن بلغة مُتَكَلَّفَة، وقد يكون أكثر تركيزا على الفكرة، الاثنان تتطور عندهما مهارة الكتابة مع تراكم المعارف والخبرات الحياتية والدُّرْبة.

وبرأيي أن الكاتب يستطيع في المقالة تناول أي موضوع في الشأن العام وغيره، وعادة ما تحمل وجهة نظره الآنية ورأيه وللعاطفة حضورا فيما يكتب أحيانا.

أما أن تؤلف كتابا، فالموضوع هنا مختلف، كلما كان الكاتب قريبا من تخصصه أجاد، أستثني الكتابة الإبداعية كالشعر والرواية والقصة، ذلك أنها تعتمد فيما تعتمد على الموهبة ابتداءً.

المفكر والناقد عبدالله الغذامي، وهو غني عن التعريف، له حضوره في المشهد الثقافي المحلي والعربي و الشأن العام، وحضوره اللافت أيضا في النقد الأدبي والثقافي، بدءا من كتابه الذي استقبله المهتمون بحفاوة بالغة، وأعني بذلك كتاب «الخطيئة والتكفير» وما أثاره من جدل واسع حين صدوره بين رفض وقبول، وتناولته عشرات الدراسات، ودفع الكاتب ثمنا باهظا بسبب هذا الكتاب، كما صرح بذلك لجريدة عكاظ، وما تلاه من كتب عن الحداثة وما بعد الحداثة، وعن القبيلة والقبائلية، وكاتبنا القدير يتلقف القراء منتجه بين محتفٍ وناقدٍ، وهذا أمر طبيعي بل قد يكون للناقد حفاوة عند «أبي غادة» كما عهدناه.

صدر لكاتبنا كتاب جديد تحت عنوان «العقل المؤمن / العقل الملحد» الطبعة الأولى، الناشر – العبيكان – 1441هـ، وذيَّلَ عنوانه بسؤال: كيف لعقول البشر أن تؤمن أو أن تلحد؟

لكل قارئ طريقته في القراءة، بالنسبة لي مفتاح الكتاب مقدمته، هي في نظري من تمنح القارئ أحيانا، تأشيرة الدخول إلى الكتاب وعوالم الكاتب، وبدرجة أقل لوحة الغلاف.

مقدمة الكتاب محرِّضة ومغرية على قراءته بما يملكه الكاتب من لغة جميلة، وبالفعل أثارت تلك المقدمة فضولي لقراءة الكتاب، وما جاء في المقدمة «وهو مشهدٌ ثري علميا وفكريا، وجدت فيه متعةً عقلية ووجدانية، وكلي أمل أن أكون أفلحت في ترجمة متعتي العقلية والوجدانية لقراء وقارئات هذا الكتاب»

قرأت الكتاب ويقع في 165 صفحة من الحجم المتوسط، ولا شك أنه أضاف لي معلومات جديدة برغم أنها متاحة فضلا عن لغته الرفيعة، وخرجت كقارئ ببعض الملاحظات، ويقيني أن «أبا غادة» فيه من رحابة الصدر وسعة البال ما تجعله يتقبل ملاحظات قارئ هاوٍ في حدود ما فهمه من الكتاب، أوجز تلك الملاحظات على هذا النحو:

– كل المنجزات العلمية التي حققها العلم من الثورة الصناعية وحتى الآن وسهّلت الحياة، أنجزها علماء ينتمون إلى الغرب، وكل أنظمته، علمانية، لا دينية، وبالتالي يقفز السؤال: ما علاقة المُنْجَزْ العلمي بإيمان العالِم أو إلحاده؟

– السؤال الذي طرحه كاتبنا الفاضل: كيف لعقول البشر أن تؤمن أو تلحد؟ لا يحتوي الكتاب على جوابا لهذا السؤال الكبير.

– الكتاب مزج بين الفلسفة المتسائلة وبين العلم التطبيقي المعتمد على الملاحظة والتجريب، ومن ثم الاستقراء، وشتان فيما أفهم بينهما.

باختصار، وجدت متعة في قراءة ما تيسر لي من إنتاج «الغذامي» بغض النظر عن الاتفاق والاختلاف، ذلك أنه يُشْرِع الباب للتفكير والمعرفة، فيما لم أجد هذه المتعة وأنا أقرأ كتابه «العقل المؤمن / العقل الملحد» ولم أجد جوابا لسؤاله الكبير، عَلَّ كاتبنا في إصدارٍ لاحِقٍ يجيب عن ذلك السؤال، ويكشِفُ ما غُمَّ علينا.

مساعد العتيبي

مساعد بن محمد العتيبي، حاصل على درجة الماجستير في مكافحة الجريمة من جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية. تدرج في الوظائف الأمنية حتى صدر قرار بتعيينه مديرًا لشرطة محافظة الطائف. مثَّل بلاده في العديد من المؤتمرات على مستوى مجلس التعاون وعلى المستوى العربي، كما رأس وفد السعودية في الإنتربول بمدينة ليون بفرنسا. له العديد من المنشورات الصحفية وكتابات الرأي في عدد من الصحف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق