اَراء سعودية
تفاعلورقة عمل

الحياة بدون استقدام

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

ليس لدي موقف مسبق من استقدام العمالة المنزلية، بل أرى -وغيري من السعوديين- أن ذلك ساهم في بناء جسور من التواصل الحضاري والثقافي مع شعوب الدول، التي ترسل أبناءها، ذكورا وإناثا، للعمل في المنازل السعودية، وتحقيق منافع متبادلة لطرفي العلاقة التعاقدية، والنسبة العالية من التعامل بين الطرفين إيجابية، رغم وجود جوانب سلبية ولكنها تبقى استثناء، والاستثناء لا يقاس عليه.

خلال الشهور الماضية منذ إغلاق الحدود بسبب جائحة كورونا، توقف السعوديون بكل فئاتهم، مجبرين عن استقدام العمالة المنزلية بسبب الظروف الدولية الراهنة، ومع ذلك لم تتوقف حياتهم، بل إن أولويات البعض كانت البحث عن سبل تمكين العاملين لديهم المغادرة لأوطانهم.

على مدى السنوات الماضية، كان استقدام العمالة المنزلية يشكل همَّا للمواطنين، وللحكومة على حد سواء، فالأسواق الدولية محدودة، والشروط معقدة، وأسعار الاستقدام قفزت إلى مستويات عالية استنزفت مدخرات السعوديين، فضلا عن كونها عملية محفوفة بالمخاطر وغير مضمونة، من احتمال هروب أو اختفاء بعد الوصول، أو رفض العمل، أو عدم اللياقة الطبية.

من ناحية أخرى، هناك جهات تتصيد أي خطأ أو حادثة تحدث لعاملة أو عامل، للترويج لها كظاهرة سلبية للنيل من صورة المجتمع السعودي، وتتبناها بعض المنظمات الحقوقية تحت حجج الاتجار بالبشر والرق والعبودية، ومن المنظمات من تتبنى معلومات مضللة مصدرها فيديوهات تنشر هنا أو هناك، عن ادعاء انتهاك حقوق عاملة أو عامل منزلي، لقصد الابتزاز السياسي أو المساومة على مواقف معينة، ورغم أننا لا ننكر حدوث شيء من هذا القبيل، فالعلاقات الإنسانية لا تبقى مثالية دائما، ولا يمكن الوصول إلى نسبة صفر من القضايا والخلافات، فهي تحدث بين أفراد العائلة الواحدة أحيانا.

كيف حصل التكيف مع الحياة بدون استقدام خلال الفترة الماضية منذ التوقف عن الاستقدام؟ وهل يمكن الاستفادة من الوضع الحالي لإعادة ترتيبات حياتنا، والاعتماد على الذات أكثر؟ لاسيما وأن توقف الاستقدام شمل الجميع، بما فيهم العاملون لدى القطاع الخاص، وتنامي المبادرات التي حدثت مؤخرا كتوجه الشباب والشابات للأعمال الخاصة، وتمكين المرأة من قيادة السيارة وإمكانية الاستغناء عن السائق الخاص، والخيارات أمام العائلات التي تحتاج مساعدة الغير، كدور الحضانة وغيرها.

نحن ممتنون للأجانب الذين شاركونا التنمية وساهموا بفكرهم وجهدهم بما يملكون من مهارات في شتى مجالات التنمية التي تشهدها السعودية، بكل فئاتهم وجنسياتهم، ولا نزال بحاجة لخدمات الكثير منهم، إلا أن الفترة الماضية كانت بمثابة فرصة لإعادة تقويم الوضع بعد أن ظهرت بوضوح النسبة الفائضة للعمالة الوافدة في السوق السعودي، ولو أجرينا مسحا مبدئيا للموجودين في السجون ودور التوقيف والقضايا القائمة لدى أقسام الشرطة والنيابة العامة والمحاكم، لوجدنا أن الإحصائيات صادمة، والتكلفة باهظة.

هذا يقودنا لمقترح إنشاء جهاز مركزي مدني وأمني معني بشؤون الاستقدام، والسياسات ذات الصلة بالعمالة الوافدة، وتنظيم شؤونها، يرأسه معالي وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية.

محمد الشمري

محمد الشمري مستشار قانوني ، سفير بوزارة الخارجيه السعودية، أستاذ القانون الدولي - غير متفرغ- في معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية, مارس كتابة الرأي في عدد من الصحف المحلية

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق