اَراء سعودية
قهوة السابعة

متلازمة الضفدع المغلي

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

لو وضعنا ضفدعا في إناء به ماء بارد وبدأنا في تسخين الماء بالتدريج، سنلاحظ أن الضفدع يحاول التكيف مع درجات الحرارة، وفي كل مرة ترتفع درجة الحرارة يبذل مزيدا من الجهد من أجل التأقلم عليها، حتى تصل لدرجة الغليان، عندها يكون قد استنفد قواه ولم يصبح قادرا على القفز خارج الإناء، فيستسلم مرغما للموت.

والعكس صحيح، فلو وضعناه في إناء به ماء يغلي، سيشعر مباشرة بالحرارة ويقفز بعيدا عن الإناء فينجو.

تنجلي الحكمة من «متلازمة الضفدع المغلي» في طبعه، فقد حاول أن يصمد ويقاوم ارتفاع الحرارة حتى أجهد نفسه ببذل المحاولات المتتالية من أجل التكيف مع حرارة الماء، إلى أن وصل للحظة الحاسمة التي احتاج فيها طاقته، فلم يجدها فقد خارت قواه، ولم يستطع أن يخلص نفسه من الموت.

على الصعيد العلمي أثبت علماء الأحياء قصة الضفدع، وهي صالحة أيضا لتطويعها كاستراتيجية «سيكولوجية سوسيولوجية» لتعديل السلوك البشري وعلاجه، فمرارة التجارب التي يمر بها الإنسان إما أن تحييه أو تنهيه، إما أن تنتج منه إنسانا ضعيفا جدا أو إنسانا حكيما جدا، فإن كان قويا تعوّد على تحمل العناء من جراء تكرار التجربة الصعبة وتعلم منها -شيئا فشيئا- ليصبح بعد ذلك متمرسا يحمل خبرة تعينه على عمل المهام بيسر وسهولة، وهذا هو الوجه الإيجابي للتعود والتصبر على المصاعب والمشاق.

أما الوجه السلبي أن يفعل كما فعل الضفدع، يعجز عن اتخاذ القرار في الوقت المناسب، وكلما مر بأزمة أو ورطة لم يتصد لها، ولم يحلها، بل ظنّ أنها الريح، فطأطأ برأسه أمامها راجيا أن تمر بسلام، ولم ينتبه أن رقبته مع توالي الانحناءات وتحمل الضربات المتتالية ستنكسر، وتكون النهاية إخضاع نفسه والتكيف على تحمل الأذى حتى يضعف بدنه وروحه ويخسر للأبد.

إن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وحسن التصرف في الوقت المناسب في المواقف القاسية أفضل من تغليب التكيف معها، لذا المطلوب القفز وليس الانتظار إلى أن تسوء الظروف أكثر فأكثر.

وعلى كل شخص أن يقف مع نفسه وقفة صريحة قبل فوات الأوان ويسأل نفسه: بماذا خرج من تجاربه؟ هل أنضجته أم أهلكته؟

فكل ما مر عليه من مشكلات سواء في سنوات طيشه أو سنوات حكمته، هي غليان الماء، فهل تمكن من القفز عنها في الوقت المناسب؟ والمأمول أن تكون ردة الفعل متلائمةً مع عقلية البشر التي تختلف عن بقية المخلوقات تدبرا وتفهما، لا بعقلية الضفدع، لأن تقبل بعض الأمور غير مجد والمضي فيها قدما على كل الأصعدة خسارة عظيمة.

الحكمة التي نستخلصها، وجوب حضور ردة الفعل من تعبير عن الأفكار والمشاعر والسلوك، وإحسان التصرف في الوقت المناسب، كي لا تسلب منا قوة الإرادة دون أن نشعر.

كما ينبغي أخذ الحيطة من خسارة قناعاتنا ومبادئنا الواحدة تلو الأخرى، حتى لا نستيقظ يوما وقد خسرنا أنفسنا بالكامل.

رحلة مقاومة الظروف الصعبة هي الماء المغلي تدريجيا، المعنى أن الفرد الذي يستمرئ التغيرات السيئة التي تحدث له بشكل متباطئ ويتقبلها، لا يلحظ التغيرات السلبية التي تطرأ عليه، ولا يشعر بحجم الخسارة، لأنه كيّف نفسه معها بالتدريج، فأصبح من الصعب ملاحظتها، فيستفيق يوما على خسائر مفجعة، لكن بعد فوات الأوان.

فاطمة اليعيش

فاطمة اليعيش , حاصلة على الاجازة الاكاديمية في مجال التربية , مهتمة في التمية وتطوير الذات , عملت في وزارة التعليم وشاركت في العديد من الدورات والورش المتخصصة في مجال الصحافة والتربية والتعليم , لها العديد من المساهمات في مجال الاختبارات والقياس , كتبت في عدد من الصحف منها صحيفة اليوم و الشرق

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق