اَراء سعودية
أجراس

سؤال البقاء في تجربة «كروزو»

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

«لا.. قل إن الوضع ليس كما أرى! لا يمكن أن أكون أنا الناجي الوحيد» صرخ بها «كروزو» عندما وجد رفقاءه البحارة وقد اختفوا بين عواصف البحر، فجدف إلى شاطئ جزيرة يائسة، عندها اقترنت نجاته من الموت بحياة جديدة ثبتها في سجل يومياته، ليروي لنا قصة الإنسان الذي أصبح بدائيا فجأة، فكيف نصنف لحظاته الوجودية؟

أولا: غريزة البقاء، التي دفعته لبدء حياة جديدة على أنقاض حياة محطمة لسفينة ما زالت تغرق، التقط منها مقصا وشفرة حلاقة وبقايا أطعمة وصندوق ذهب، يعرف ألا قيمة له على جزيرة خالية من الاقتصاد والاستثمار، ولكن استنهاض الحياة من براثن الغرق، يتطلب ادخار كل شيء لإنعاش الحياة مرة أخرى، فيقول «يبدو أن لدي موهبة حقيقية بالفعل، موهبة النجاة»

ثانيا: العزلة وما يخالطها من تفكر وتأمل، تأخذ الإنسان لأبعد وأعمق ما يمكن بلوغه عبر استحضار ذاكرة الزمن الفائت واستشراف المستقبل، فقد امتلأ التقويم الذي دشنه «كروزو» على الجزيرة بلحظات التفكير في قرار السفر الحر، بعيدا عن أي روابط اجتماعية، تلبيةً لرغبته الذاتية، التي فتحت عليه سلسلة من التجارب الفردية الحادة.

ثالثا: علاقة الكائنات ببعضها، وهي العلاقة التي استشعر «كروزو» أهميتها بعد أن وجد نفسه منفصلا عن البشر، فاجأته القطة ثم الماعز ثم النباتات والفواكه والأخشاب، وهكذا في لحظة غير متوقعة عاد الإنسان المتحضر إلى أصله البدائي ونشأت حاجته لمعرفة أساليب الصيد والاحتطاب والشواء وصناعة الأدوات من الخشب، فنجح في ذلك.

«لكم من الوقت سأظل باقيا هنا؟» سؤاله الذي زاوج بين اليأس والأمل المحتشدين في جوفه، يشبه ذلك الشعور الذي يتلبد بالإنسان في التجارب العصيبة التي تستدعي تفكيره في الانسلاخ من حياة محشوة بالآخرين، إلى حياة جديدة يلدها الإنسان بنفسه، بعد تجربة صراع وجودي خالص.

إنه تحدٍ صارم أن تبني وجودك مما دون الصفر، وتؤسس مساراته المختلفة والمنطلقة كلها من مركزك الفرداني الحر، وهذا ما قدمته رائعة «كروزو» عبر عرضها لتجربة إنسانية استثنائية، فماذا لو أسقطنا هذه التجربة على تجاربنا النازحة إلى التحرر، والطامحة في البناء على أساس الحرية الفردية؟ هل سننجح؟.

رجاء البوعلي

بكالوريوس في الأدب الإنجليزي ودبلوم في الإرشاد الأسري وآخر في السكرتاريا التنفيذية، مدربة معتمدة من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني. كاتبة وأديبة لها مساهمات كتابية في العديد من الصحف السعودية والعربية، مدربة في مجال التنمية البشرية، ناشطة في قضايا الشباب ومهتمة بالشأن الثقافي، عضو في عدة أندية ثقافية محلية ودولية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق