برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فضاءات

هل جيل الطيبين، طيبون بالفعل؟

صراع الأجيال فطرة انسانية وجبّلة رافقت الإنسان منذ نشأته الأولى، هو صراع متخيّل قديم قدم البشر، فكل جيل يعتقد بأنه مثالٌ للقيم والأخلاق والكفاح والصبر وتحمل المسؤولية، وأن الجيل اللاحق له هو جيل ضعيف وناعم وغير مسؤول، وهناك كتابات اغريقية وصينية قبل آلاف السنين تتحدث عن ضعف الأجيال الجديدة وكسلها وانخفاض عزيمتها.

وتسمية جيل “الطيبين” هي شكل ناعم وحديث من أشكال هذا الصراع القديم، استخدمها الجيل الحديث لمناكفة الجيل القديم وليس العكس كما كان يجري عادة، وهي تسمية مراوغة برأيي تحمل وجهين متناقضين يستخدمهما الجيل الجديد من أجل نفسه بذكاء شديد، فالوجه الأول لتسمية “طيبين” هو أقرب ما يكون لمساكين وجهلة لا يعرفون شيئاً، وهو بذلك المعنى حرب مباشرة وتقليل صريح من وعي وفهم وقدرات الجيل السابق، وعادة ما يأتي مرادف لاستخدامات وسائل التقنية بالشكل الذي يمنح اسقاطه مصداقية أكبر، أما الوجه الثاني فالمقصود به طيبي القلب والسريرة والتعامل، وهو يمثل صورة نمطية متخيلة ذات بعد “رومانسي” يحاكم فيها الجيل الحديث نفسه أكثر مما يمتدح فيه الجيل السابق.

لو قمنا بإسقاط هذين المعنيين المتناقضين على الجيل السابق لوجدنا عدم مطابقتهما للواقع بشكل يكاد يكون كاملاً، فلا الجيل القديم كان ساذجاً ولا مسكيناً ولا محدود القدرات وإنما تعامل مع أدوات عصره الممكنة بأحسن ما يمكنه ذلك، وفي المقابل فإنه لم يكن فاضل بالكامل ولا مثالي دائماً ولا طيب الأخلاق بالمطلق، بل مارس الغش والدجل والتدليس والكذب والسرقة والجريمة بظروفه وأدواته الممكنة كما أي جيل بأي مجتمع بشري.

ليس ثمة جديد في هذا الصراع الأزلي، فالإنسان بطبيعته ونزعاته وغرائزه لم ولن يتغيّر، وإنما تغيرت وستتغير الأدوات التي يتعامل فيها مع هذه الطبيعة والنزعات والغرائز المتجذّرة فيه.

الجديد بالنسبة لي أنه ولأول مرة كما اعتقد، يمارس الجيل الجديد الريادة وقيادة الصراع ضد الجيل القديم وليس العكس، فهل هذا مؤشر على أن النقلة المعرفية والتقنية الهائلة التي تمر فيها البشرية حالياً قد اصابت الجيل القديم في مقتل معرفي؟ وما هي نتائج الفجوة المعرفية التي ستحدث لاحقاً في ظل هذا التسارع المجنون للتقنية؟ حقيقة لست أعلم.

رأي : تركي رويّع

t.alruwaili@saudiopinion.org

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق