برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
مسامرة

هندسة الظلم

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

هل جرّبتَ أن تواجهَ الظلمَ الذي يقع عليك كما يتعامل المهندس مع المشاكل التي تواجهه؟ المهندس عندما تواجهه مشكلةٌ أثناء عمله فإنه لا ينتحي جانبا ويبكي، بل يرجع إلى القوانين الهندسية والمعادلات الرياضية ويبحث من خلالها عن حلٍ لتلك المشكلة.

وأنت عندما تتعرّض للظلم، فأمامك خياران إما أن تصبحَ مقهورا تشعر بالضعف والمسكنة، وبأنك مجرد ضحيةٍ مغلوبةٍ على أمرها، أو أن تصبح مهندسا تنظر إلى الظلم وتتعامل معه بطريقة براغماتية.

من الخطأ الفادح إذا وقع عليك الظلم أن تشعر بأنك المظلوم الوحيد في هذا العالم وبأن الكون كلّه قد تآمر عليك ليظلمك، من الأجدى والأكثر واقعية أن تنظر إلى الظلم على أنه سنة بشرية خاضعة لبعض القوانين والشروط، وأنه أينما ومتى ما توفرت واجتمعت هذه الشروط فإن الظلم سيقع لا محالة، وحينما تتعرف على تلك القوانين والشروط فإنك تصبح أكثر قدرة، ليس فقط على اتخاذ القرار المناسب لكيفية رفع الظلم عنك، بل أكثر قدرة على توقعه قبل حدوثه واتخاذ ما يلزم لدفعه عنك.

والآن دعني أسرد لك الشروط والظروف التي متى ما توفّرت واجتمعت قام أحد الأطراف «فرد / جماعة» بظلم الطرف الآخر.

1- وجود طرفين بينهما مشتركات: عمل / تجارة / أرض / وطن / حقوق / أموال… إلخ، لو قام أحد الأطراف بنيل أكثر من حقه العادل فيها، كان ذلك على حساب الطرف الآخر «أدّى إلى ظلمه»

2- كون هذه المشتركات ممّا تهوى النفسُ البشرية حيازةَ أكبرِ قدرٍ ممكن منها للتميّز بها على الآخرين، مثلا: المال / السلطة / الوجاهة / الحرية / تحقيق الملذات… إلخ.

3- اختلاف موازين القوة بين الطرفين، مثلا: أحد الأطراف كان أقوى من الآخر، أكثر قدرةً جسديةً أو ماديةً أو سلطويةً، على حيازة أكثر من حقه من تلك المشتركات.

4- غياب القوة الرادعة الكفيلة بمنع الطرف الأقوى من إقدامه على جريمة الاعتداء على حقوق الطرف الأضعف، هذا الغياب قد يكون داخليا كانعدام وازع الضمير عند الطرف الأقوى أو نقصٍ في رصيد أخلاقه، أو غيابا خارجيا كغياب القانون أو السلطة التشريعية والتنفيذية القادرة على اكتشافه، ومحاسبته، وإدانته، ومعاقبته على جريمة اعتدائه على حقوق الطرف الأضعف.

هذه هي معادلة الظلم الهندسية التي توضّح العناصر التي متى ما تحقّقت، وقع الظلم بين الشركاء، مهما كانت قوة وحميمية العلاقة بينهم «وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ» ص : 24.

وحسب هذه المعادلة فالإنسان لا يقع عليه الظلم من أعدائه فقط، بل ربما من أقرب الناس إليه، فالإنسان قد يظلم نفسَه بنفسه، وذلك عندما تتصارع فيه شخصيته الشهوانية مع شخصيته المتعفّفة فتنتصر الشهوانية على الأخرى، فكم إنسانٍ دخل السجنَ وأفقد نفسه الحرية والسمعة الحسنة نتيجةٍ للحظة ضعف أمام شهوته لم يردعه حينئذٍ ضميره أو تمنعه أخلاقه أو خوفه من السلطة من الإقدام على ظلمه.

الأخ قد يظلم أخاه، فكم من أخٍ أكبر أكل أموال إخوته اليتامى مستغلا قوته عليهم، وكون أموالهم في يده.

الزوج قد يظلم زوجه، فكم من الأزواج ظلم شريكَ حياته بسبب قوته وانعدام ضميره.

يخدعك من يوهمك بأنك المظلوم الوحيد في هذا العالم وبأن عدوَّك فقط هو الذي يظلمك، وبأنك إذا ظُلِمت فإنك مغلوب على أمرك، وأنك لا تملك خياراتٍ متعددة لرفع أو دفع الظلم أو تخفيفه عليك.

في هذه المقالة قمنا بهندسة «العلّة» التي ذكرها المتنبي في بيت شعره العظيم «والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفةٍ فلعلّةٍ لا يَظلِمُ» وفي المقالة القادمة سنناقش -بإذن الله- خياراتنا أمام الظلم على ضوء تلك الهندسة، فتابِعنا.

محمد العيسى

بكالوريوس هندسة ميكانيكية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، عضو في منظمة التوستماسترز العالمية منذ عام ٢٠٠٥ م وحاصل على وسام التوستماستر المتميّز، له سجل كبير من البطولات في مسابقات الخطابة، وألقى الكثير من الخطب والمحاضرات وورش العمل المتعلّقة بفنون التواصل وتطوير الذات، كتب في عدد من الصحف السعودية

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق