اَراء سعودية
بوليفارد

جيش الرجل الواحد

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

ما زلت مقتنعا أن رجلا واحدا بمقدوره تغيير أمة كاملة، الأنبياء على سبيل المثال فعلوا أعظم من ذلك وحدهم، وحتى نتجاوز خاصية الأنبياء، ثمة رجال في هذا الكون فعلوا لمجتمعاتهم ما لم تفعله جيوش كاملة، لذلك استحقوا لقب جيش الرجل الواحد.

الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا أمضى ثلاثين عاما من عمره في السجن، من أجل تحرير مواطني بلاده السود من عنصرية البيض، المهاتما غاندي وقف في وجه بريطانيا العظمى، حتى طردها من بلاده بالسلاح الأبيض.

وحتى نتجاوز أيضا خصوصية القادة والزعماء، فالتاريخ حديثا وقديما يحفل بأمثلة عديدة لرجال نذروا أنفسهم لخدمة الناس، هل تذكرون الشيخ الكويتي عبدالرحمن السميط؟ هل تتذكرون طبيب الفقراء المصري محمد مشالي؟ وقبله الراحل الدكتور مصطفى محمود، الذي نذر نفسه للعلم والإيمان عبر سنوات طويلة من عمره، ورفض المناصب الوزارية التي عرضها عليه الرئيس الراحل أنور السادات؟

ومن هذا النوع النادر الصيني «هوانج دافا» الذي ضرب أروع الأمثلة في نموذج جيش الرجل الواحد، حيث أخرج قريته الجبلية من عزلتها بين الصخور والجبال إلى قرية منتجة من أشهر مزارع الأرز في العالم، وبدأت حكاية هذا الصيني الذي جاوز الثمانين من عمره، حينما فكَّر وهو ابن العشرين عاما أن يحفر قناة مائية في ثلاثة جبال بطول 10 آلاف كم، لإيصال الماء والكهرباء إلى القرية الفقيرة، ونذر نفسه لهذه الفكرة التي استغرقت منه 36 عاما، وعدَّته فيها الأزميل وروح لا تشبه غيرها من الأرواح التي تزخر بها القرية، ولأن فكرته شبه مستحيلة تخلى عنه الجميع، ولكنه لعام كامل كان يعمل وحده، وقد استطاع حفر أول 100م دون مساعدة، حتى رأى أهالي القرية أن حلمه بات ممكنا، ثم التحق معه شباب القرية تحت وطأة الفقر والحاجة الشديدة إلى الماء، وبهمم لا تعترف بخطورة المهمة، وبعمل شاق على شفا جرف هارٍ.

أنهى 300 شخص التحقوا بهذا الرجل العظيم مهمتهم، وتدفق الماء عبر القناة المائية التي عبرت ثلاثة جبال وعشرة تلال وثلاث قرى، ففي قرية «هوانج دافا» باتت زراعة الأرز الآن ضربا من الترف.

الأفكار المجنونة تحتاج إلى رجال عقلاء من فئة جيش الرجل الواحد.

منيف الضوي

منيف خضير الضوي، ماجستير إدارة تربوية، حصل على جائزة التعليم للتميز، عضو في عدد من المؤسسات منها أكاديمية الحوار الوطني، جمعية جستن التربوية، اتحاد المدربين العرب. له «5» إصدارات، وكتب الرأي في عدد من الصحف كما مارس التحرير الصحفي في صحيفة الجزيرة السعودية، وعمل مراسلاً في إذاعة الرياض، كما يمتلك خبرات واسعة في مجال الإعداد والتعليق الصوتي.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق