برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
الصعود للعمق

في فمه ماء!

يصحو في الصباح الباكر، وهو يكاد أن يختنق، وتلك عادته في اشراقة كل يوم، عندما يجد الماء يتدفق من فمه.

لم تكن تلك حالة طارئة عليه، فقد كان يشعر بها بشكل يومي، وكان يعرف كيف يتعامل معها، فنثر الماء جملة من فمه لن يكون الحل، لما يمكن أن يتسبب فيه من تلويث للأجواء، وربما غضب الأقربون منه، وثورتهم، وتوبيخهم له، وربما ما هو أبعد من ذلك.

كان لا بد له من أن يحكم إغلاق فمه، وأن يمسح القطرات البسيطة، التي بادرت بالتدفق من بين زوايا شفتيه المشدودتين.

يتجه إلى تلك الزاوية المظلمة، التي تعود أن يذهب إليها كلما شعر بتدفق الماء المقلق لراحته، ويحضر وعاء الكريستال، ليفرغ ما في فمه بداخلها.

وكما تَعّودَ، يلبس نظارته المكبرة، ويرتدي الكمامة الواقية، ويدس يداه في كفوف بلاستيكية، كي لا يلوث قطرات الماء، وحتى لا يلتقط منها أي جراثيم محتملة.

دقائق انقلب فيها مكانه إلى ما يشبه المختبر الطبي، فهذا الماء يتكون من قطرات مختلفة الأحجام، وألوانها أيضا مختلفة، وطعمها كذلك متباين.

ولا عجب أنه قد تمرس على فصل قطرات الماء عن بعضها، بأدوات مخبرية حادة مستطرقة وكرات وأنابيب متصلة ومنفصلة رقيقة شفافة وبعضها غليظة لتناسب ما يوضع فيها، فهذه قطرات صادقة شفافة، وتلك معكرة، وتلك تجرح في المقدسات والدين والمذهب، وتلك قطرات لا تتناسب مع مجريات السياسة المحلية، وتلك قد تفهم اجتماعياً بأنها خروج عن المألوف، وهذه قطرات تفور، وقد تفهم بعكس المقصود بها، وتلك غليظة على السمع، رغم مصداقيتها!

يكاد أن ينتهي من ترشيح قطرات الماء الموجودة أمامه، وعزلها، رغم شعوره بالغبن، وهو يستخلص ما تبقى منها، ليجد أنها مجرد قطرات صفراء بسيطة، لا أملاح فيها، ولا طعم ولا لون يعجب الناظرين.

تلك هي حكايته ككاتب عربي، يحاول البوح بحقيقة ما يفكر فيه، وكونه يجد ألف عقبة تمنعه من نثر الماء عن فمه.

مسكين، فهو يردد المقولة، التي تقول: في فمي ماء، ولكنه يحتاج إلى كل تقنيات حذر التعامل مع تلك الكلمات، حتى يبوح بها بسلام، دونما ضرر على ذاته، وعلى الوعي العربي، الذي لم يكن، ولن يقبل أي نوع من البوح الحقيقي، في المنظور القريب، والبعيد على السواء.

رأي : شاهر النهاري

s.alnahari@saudiopinion.org

شاهر النهاري

طبيب أخصائي طب الأسرة والمجتمع، يعمل في مدينة الملك فهد الطبية بالرياض مديراً للمشروع الطبي، زاول كتابة مقالات الرأي بعدة صحف كجريدة الشرق الأوسط - لندن، صحيفة الوطن السعودية، الجزيرة، الشرق ،مكة الورقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق