برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
تفاعلصدى القرية

المهدي.. ووهم الخلافة

تخرج لنا وسائل التواصل الاجتماعي بين الفينة والأخرى خبرا عن رجل يدعي أنه المهدي المنتظر، ويسرد الكثير من النصوص التراثية التي يحاول بها دعم مشروعه الديني الجديد وتنتهي به الحياة إلى إحدى المصحات العقلية أو النفسية.

وأنا في هذه المقالة لن أحاكم ضحايا الأساطير التراثية والهلوسات، ولكنني سأحاكم النصوص التراثية ذاتها التي يؤمن بها مليار ونصف المليار من السنة والشيعة، على خلاف بينهما في صفات، وطبيعة هذا المهدي المنتظر.

لقد بدأت فكرة المهدي المنتظر تروج بين المسلمين مع ظهور أول نزاع مسلح على الملك بينهم، في أواسط القرن الأول الهجري، الذي لم تنقطع بعده طموحات الطامحين لتأسيس ممالكهم الخاصة باستخدام التراث وتجييره لحشد الأتباع، مستغلين ظروف الإحباط والبطالة والفقر التي تمر بها المجتمعات الشرقية منذ العصور الأولى، أضف إلى ذلك التفكير الرغبوي المثالي الذي يصاحب مراحل انحطاط الأمم وتخلفها، كنوع من السلوان ومخادعة الحواس والعقل عبر الإيمان بشخصية أسطورية مخلصة لهذه الأمة، أو تلك وهي ليست حالة خاصة بالمسلمين، بل بكل الأمم المتخلفة عن ركب الحضارة، والعاجزة عن مراجعة تراثها ومعالجة واقعها بتفكير علمي دقيق، فتلجأ لترويج الأساطير واستلهامها من التاريخ ومحاولة جعلها عقيدة دينية تخفي بها عيوبها وقصورها وتخلفها عن بقية الأمم.

لَك أن تتخيل حال أمة من الأمم في القرن الواحد والعشرين، وما زالت تنتظر ولادة رجل واحد في آخر الزمان أو خروجه من سردابه الذي دخله قبل ألف عام، ليخلصها في ليلة واحدة من كل مشاكلها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية والفكرية، ويجمعها على قلب رجل واحد، ويملك بها الشرق والغرب.

إن الإيمان بهذه الأساطير كفيل بإبقاء هذه الأمة في ذيل الحضارة وكهوف التخلف وطواحين الحروب، والاقتتال ملايين السنين، خصوصا لو كان هذا الإيمان يشمل النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية في هذه المجتمعات.

ويمكن لأي محلل بسيط لواقع الأمة وتراثها أن يفهم سبب هذه الحروب الطائفية الطاحنة، والفساد المستشري والتخلف العلمي والحضاري والإنساني، في كل مفاصل حياة هذه الأمة الإسلامية.

إن المهدي المنتظر الحقيقي هو ولاء وطني أصيل ونظام اجتماعي يقوم على المواطنة وثقافة الحقوق والحريات، ونظام قضائي لا أيديولوجي مستقل، ونزيه، ومؤسسات وطنية شفافة وفاعلة ومنتجة، ونظام تربوي يقوم على التفكير العلمي والناقد والتقانة الحديثة وقوانين وتشريعات واضحة وفاعلة تحترم الحريات وحقوق الإنسان، وتقوم على العدالة الاجتماعية والنزاهة والشفافية، وتطبق بحزم على كل فئات المجتمع ومؤسسات تهتم بالمبدعين والعباقرة، وتدعمهم وتفتح لهم طرق الإبداع والابتكار، إنه الشركات التجارية العابرة للقارات والمصانع الكبرى الحديثة والمعامل والمختبرات العلمية والطبية.

وهذا المهدي الحقيقي هو الذي جعل دولا مثل سنغافورة ونيوزيلندا تصعد لرأس هرم الحضارة والاقتصاد والعلم خلال عشرين سنة، بينما المسلمون ما زالوا ينتظرون المهدي الأسطورة منذ مئات السنين وسيظلون.

أحمد الغيلاني

أحمد محمد علي الغيلاني، طالب دكتوراه، ماجستير في أصول التربية من جامعة الإمام محمد بن سعود، له أربعه مؤلفات مطبوعة، وثلاثة أخرى تحت الطباعة. مارس الكتابة الصحفية في عدد من الصحف السعودية والخليجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق