برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
نافذة لغوية

تدريس المنطق والمهارات الناقدة

بحلول الألفية الثالثة وتدشين مرحلة جديدة وإعادة تشكيل مفاهيم: التربية والتعليم والتنمية والاقتصاد، أصبح لزاما على العالم العربي أن يراقب ما يحدث في العالم المتقدم، ويحاول محاكاته التطويرية، ليصبح منافسا فاعلا ومؤثِّرا، بدلا من أن يكون متنافَسا عليه في موقع المفعول به المتأثر.

ومن هذا المنطلق، سأسرد بعض التغيرات والإصلاحات التي حصلت في بعض الدول، لتأهيل الطلاب والطالبات، للقرن الحادي والعشرين، فمن خلال دراستي في بريطانيا وكوني مستشارا تطوعيا، في مكتب التربية في مقاطعة ليدز مدة خمس سنوات، عاصرت كثيرا من التحولات التي لا بد من نقلها إلى بيئتنا العربية الخليجية والسعودية تحديدا، فالسعودية رائدة الخليج والعالم العربي والإسلامي، ما يحدث فيها ينعكس بشكل أو بآخر على بقية البلدان المحيطة.

ولا بد لريادة السعودية الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، أن يكون لها صدى في مناهجها وتعليمها وتربيتها لشبابها للعالم الحديث، وإعدادهم لمعترك حياة، تختلف عما نشأنا علينا وتربينا عليه في الأولويات والاهتمامات والتحديات.

ففي مجال التربية عموما، نشأت مناهج في بريطانيا ومقررات في العام 2004م تُدعى: تعلم الجوانب الاجتماعية والعاطفية الوجدانية- «SEAL: Social Emotional Aspects of Learning» وهي موجّهة للتعليم العام من سن الثالثة إلى نهاية الثانوية، ويتم تأهيل التلاميذ فيها اجتماعيا ونفسيا.

تُعنى هذه المناهج بالتعليم الصريح «explicit» وكذلك الدعم المساند «scaffolding» والتمهير في مواقف الحياة الحقيقية للمهارات الحياتية مثل: حل المشكلات والصراعات وخوض المفاوضات وغيرها، هذه الجوانب والمهارات إضافة إلى فائدتها في التعلم الأكاديمي تكافح التمييز والعنف والجريمة والتطرف والإرهاب، ولها دور في الصحة العقلية والفكرية والتعامل مع ضغوطات الحياة والاكتئاب والقلق وتنمية الأخلاقيات المهنية سواء للطلاب أو للمنتسبين للسلك التعليمي والتربوي وفي غرس مفهوم المواطَنَة.

غاية هذه المناهج أن تساعد على تأمل الذات، وعلى التحكم في المشاعر سواء السلبية أو الإيجابية والموازنة بينها، وعلى التحفيز وعلى صقل المهارات الاجتماعية، وعلى تفهم الآخرين وتقبلهم والتعاطف معهم، فهي تسهم بشكل كبير في نبذ التطرف والإرهاب وفي محاربة العنصرية بأشكالها.

وإذا انتقلنا إلى مجال تعليم اللغة، تُحدّثنا الأدبيات المهتمة بالتعليم والتربية اللغوية عمّا يسمى تدريس الكتابية الناقدة أو المميِّزة «Critical Literacy» والكتابيّة أي القراءة والكتابة، ونجد اهتماما بالبيداقوجيا، أو التدريس، الناقدة أو المميّزة أو المتسائلة.

وأفضّل شخصيا ترجمة «Critical» بالمميِّزة أو المتسائلة عوضا عن الناقدة، لأنها تعني التمييز وذكر المحاسن والعيوب وطرح التساؤلات، وليست مجرد نقد وبحث عن العيوب والنواقص كما يشيع.

فمهارات الكتابية وثيقة الصلة بالبناء المعرفي للإنسان وتكوين ذاته وهويته وحياته الاجتماعية، فلا بد من تأهيل التلاميذ لتحدي المنطق « logic » الشائع ومساءلته، ويطلق البعض عليها مهارات التفكير الناقد أو نترجمها بالمتسائل، وتحتوي موضوعاتها على نقاش العدالة الاجتماعية وعلاقات القوة في النصوص المقروءة أو التي يُنتجها التلاميذ، وفيها أيضا نقاش حول القيم الثقافية والتاريخية ومساءلتها، مثل موضوعات الرجل والمرأة والعِرق وغيرها.

وسبب التركيز على تلك المهارات في الكتابية أن النظرة إلى القراءة والكتابة لم تعد تلك النظرة التقليدية التي تنظر إليهما على أنهما مهارتان آليتان لغويتان صِرف، لفك الرمز المقروء وتشفيره لإنتاجه مكتوبا، بل صارتا مهارتين تتعاملان مع الواقع الاجتماعي والثقافي، خاصة تلك المتعلقة بنظريات التغيير والفلسفات الناقدة للواقع، كما هي لدى «فوكو» وغيره من المنظرين الاجتماعيين، فصارت الكتابية أدوات تحدد الهوية وتوجِّه الفعل والتصرف والسلوك « being & doing » كما أن الكتابية المتسائلة تولي اهتماما بالسلطة الكامنة في النصوص، وعلاقات القوة والنفوذ وتشكيل الهوية إضافة إلى صناعة المعنى التقليدية.

وقد نتساءل: لماذا تُدرَّس هذه المهارات ضمن مواد اللغة تحديدا؟ الإجابة كما تقول الأدبيات: إن اللغة وغيرها من الرمزيات الأخرى كالصورة والفيديو والوسائط الشائعة، وسيط رمزي ما بين هوية الشخص وتصرفاته وأفعاله في السياقات الثقافية والاجتماعية، بها تتشكل الهوية ويصدر السلوك، كما أن للغة دورا محوريا في فهمنا للعالم الذي نعيشه، فالمتطرف والمتشدد والإرهابي تم إقناعه وغسل دماغه وتوجيهه عن طريق اللغة والضخّ الذي تعرض له، من خلال المسموع أو المقروء، وبذلك سُلب منحة العقل والتفكير.

ولا بد من الإشارة إلى ما يكتنف هذه التوجهات من تحديات تتعلق في الغرب بالسياسة، ولدينا بالدين أيضا، فقد تختلف التوجهات السياسية وتتبدل، وكذلك نتحفظ على انتقاد تراثنا الإسلامي بنفس حدة انتقاد المعاصر، والحل المطروح أن يتم نقاش القيم في العالم، التي لا تمس المحظور والمقدس، وبهذا يحدث التدريب والتمهير ونتخلص من التعرّض للممنوع في ثقافتنا وديننا.

نأمل أن يكون لهذه المناهج والمهارات صدى في تعليمنا في بلدنا المبارك، فهو البلد القائد الرائد للخليج العربي والعالم الإسلامي والعربي، وما سيحدث فيه سيكون له صدى وانعكاس في الخليج عموما.

صالح العصيمي

صالح بن فهد العصيمي: أستاذ الدراسات العليا للغويات التطبيقية والتربية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، درس الدكتوراه في كلية التربية في جامعة ليدز ببريطانيا، وعمل مستشارا ومحكما لمايكروسوفت في عدة مشروعات برمجية خاصة باللغة العربية، كما عمل مستشارا في مكتب التربية في مقاطعة ليدز وفي المجلس البلدي في المقاطعة، وعمل خلال ذلك عضوا في هيئة الاستئناف في قضايا الفصل المرفوعة ضد مكتب التربية، وممثلا للمسلمين في المجلس الاستشاري الدائم للتربية الدينية. عمل في شركة تطوير للخدمات التعليمية، مديرا لتطوير تعليم اللغة العربية في مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتطوير التعليم، وكذلك شغل منصب المدير التنفيذي للمركز الوطني لتطوير تعليم اللغة العربية التابع لوزارة التعليم في فترة تأسيسه، وكان أيضا المدير التنفيذي لمركز اللغويات التطبيقية التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد حكّم العديد من البحوث والمشروعات العلمية لجهات علمية وأكاديمية. عمل مستشارا غير متفرغ وقام باستشارات علمية لعدد من الجامعات السعودية، وهو المشرف على مشروعين تابعين لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهما: المدونة الأكاديمية السعودية والمعجم الأكاديمي السعودي، صدرت له أكثر من عشرة بحوث وخمسة كتب ما بين تأليف وتحرير وترجمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق