برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
سوسيولوجيا

الفلسفة وعلاج التطرف

يأتي الشروع في تنفيذ قرار إدخال مقررات الفلسفة إلى التعليم العام، في السعودية، كجزء من عملية كسر التابوهات التي ظلت جاثمة على صدر المجتمع السعودي لعقود.

فبعد انتشار العروض الفنية وتخفيف القيود على المرأة وتقليص صلاحيات «المطاوعة» حان الوقت للتركيز على فكر الفرد السعودي، كيف للمواطن السعودي أن يتعامل مع الأفكار التي يتلقاها من بيئته ومن الإعلام؟ وما المرجعية المعرفية التي يفترض أن يعرض عليها ما يتلقفه من أفكار؟

لفترة طويلة ظل الخطاب السلفي، الذي يحيل كل شأن معرفي أو اجتماعي لثنائية الكتاب والسنة، مهيمنا على الساحة، بفعل العنوان المقدس لمجاميع النصوص الدينية بشكل تعميمي، لا يقبل النقاش في التفاصيل.

فالمتلقي البسيط يسمع وينصت دون أن يناقش فكرة الفرق بين النص الديني والفهم البشري للدين، فكثير من محظورات الأمس التي تحولت لمباحات اليوم كانت تستند إلى شرعية فهم النص، وليس النص نفسه، وليست قضية قيادة المرأة للسيارة بالمثال الوحيد.

لعل أخطر ما عاناه المجتمع السعودي من الجمود على عنوان الاكتفاء بالتمحور على الخطاب الديني السلفي، كان التطرف بكل أنواعه، الذي طال أغلب أطياف المجتمع السعودي، وليس السلفيون الوهابيون وحدهم، وإذا كانت «الصحوة» قد حفزت العنف الفكري، فإن بذرة التطرف بسبب هذا الاحتكار كانت موجودة قبلها بعقود، الفارق أن «الصحوة» قد حفّزت هذا التطرف ليتحدى الدولة والمجتمع، متذرّعا ببعض التفسيرات المتعسفة للنصوص الدينية.

ولكن يبقى السؤال: ما الذي ستقدمه مناهج الفلسفة للمجتمع السعودي؟

إن التنشئة الاجتماعية «Socialization» هي عملية تهيئة الفرد ليكون عضوا في المجتمع، وكما نعلم فإن التعليم هو المؤسسة الثانية -بعد الأسرة- التي تعمل على التنشئة الاجتماعية، وعليه، فإن ما يتلقاه الطالب في المدرسة يشكّل البناء المعرفي الممنهج في مرحلة التكوين الفكري في فترتي الطفولة والمراهقة.

ولسنوات كانت الدروس الدينية مهيمنة على الفصول الدراسية، ليست فقط بعدد الحصص التي يدرسها الطالب، بل حتى في دخولها في مناهج المواد الأخرى، مذكرة إياه بالنسق الذي يحكم العملية التعليمية بشكل عام.

إن غياب دروس الفلسفة والمنطق عن العملية التعليمية قد أدى إلى غياب العقل، ليس لصالح النقل فقط، بل لصالح تفسير فئة محدودة للنقل، فكيف لطالب أن يُعمل عقله فيما يتلقى إن لم يمتلك أدوات النقد وعلى رأسها المنطق؟

بناء على مخرجات التعليم في السنوات الماضية، لا نستغرب وجود طلبة جامعيين، بل وبعض طلبة الدراسات العليا لا يفرّقون بين الرأي والمعلومة والادعاء، والخلط بين هذه المفاهيم يقود المتلقي إلى عرضها على محكمة المقدس الذي سيحكم لصالح الاتجاه الأكثر تطرفا ومزايدة، وهذا ما أدى إلى ارتفاع وتيرة التطرف من التعنت في ممارسة الحسبة بشكل رسمي أو غير رسمي، وخنق الأفراد في فترة الثمانينيات إلى الانتقال لمواجهة الدولة في التسعينيات.

فالطالب الذي اعتاد الجلوس على مقعد الدراسة والتلقي دون فلترة ما يسمع، سيمارس الدور نفسه عندما ينضم إلى حلقة دينية أو تجمع شبابي يحمل عنوانا دينيا.

خلاصة القول: إن إدخال الفلسفة للمدارس السعودية ليس إلا خطوة أولى ليمرّن الجيل القادم عقله على النقد، وليمارس إنسانيته بتمييزه بين الدين وفهم الآخرين للدين، وعليه، فإن مناهج الفلسفة -إن تم إحسان صياغتها- ستلقي بظلالها على بقية المناهج الأخرى، وستغير الكثير في عقلية المجتمع السعودي الذي عانى كثيرا من التطرف.

ذلك التطرف، الذي وإن أصبح يحارب اليوم على الأرض، فإن ظلاله في وسائل التواصل الاجتماعي أقوى من أن ننكرها، وكأن الكثيرين يتحينون الفرصة ليعاودوا اختطاف المجتمع من جديد، لذلك أقول: فليتعلم أبناؤنا الفلسفة ليكونوا منطقيين في خياراتهم وأحرارا في تفكيرهم.

عبدالله آل ربح

استاذ علم الاجتماع الديني والنظرية الاجتماعية بجامعة جراند فالي بولاية مشين الأمريكية. حاصل على الماجستير و الدكتوراة في علم الاجتماع من جامعة ولاية مشيغن الأمريكية بالإضافة إلى ماجستير في الأدب العربي من جامعة الملك سعود. تنصب اهتماماته البحثية على الإسلام السياسي وتحليل الخطاب الإعلامي إضافة إلى دور التعليم في التنشئة الاجتماعية. نشر مجموعة من الأبحاث العلمية المحكمة في دوريات رئيسية في الولايات المتحدة وأوروبا، إضافة إلى مجموعة من فصول في كتب متفرقة، كما نشر مجموعة من المقالات في الصحافة العربية والأمريكية وأوراق بحثية في مراكز الأبحاث في واشنطن العاصمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق