اَراء سعودية
آكام المرجان

«ابن حزم» والتقليد

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

عجبت من ابن حزم -رحمه الله- وعقليته الفذة في التحرر من ربقة التقليد، إذ كان أول أمره مالكيا، بحكم النشأة، وما لبث أن ترك المذهب المالكي واعتنق المذهب الشافعي، فلم يجد فيه ما يحقق تطلعاته المنهجية، فتبنى المذهب الظاهري، فبعثه من مرقده، وشيده بيده، وجعل له بنيانا لا يزال قائما إلى هذه الساعة، ومع محاربته للتقليد، كان شجاعا في تبني الرأي الذي يراه حقا ويدافع عنه بقوة.

ومن شدة نفرته من التقليد، أجاز للعامي أن يجتهد، فتأمل ما يقول إنه «لا يحل لأحد أن يقلد أحدا لا حيا ولا ميتا، وعلى كل الاجتهاد حسب طاقته» وإن «المجتهد المخطئ أفضل عند الله من المقلد المصيب» فهو يرى أن الإنسان وهبه الله –تعالى- عقلا قادرا على الاجتهاد بحسب طاقته، فيرى إلغاء الاجتهاد ومنعه بتاتا أمرا مزريا للعقل.

ومما قال ابن حزم عن نفسه «إني لا أبالي فيما أعتقده حقا بمخالفة من خالفته، ولو أنهم جميع من على ظهر الأرض»  فتمسكه بالحق وإن خالف جمهرة الناس أو الأمر الشائع يراه أولى، فلا يحق للمرء ترك ما يعتقده صوابا من أجل الناس.

ابن حزم في كتبه كان ثائرا على التقليد، فهو يقول في كتابه طوق الحمامة «ودعني من أخبار الأعراب المتقدمين، فسبيلهم غير سبيلنا، وقد كثرت الأخبار عنهم، وما مذهبي أن أنضي مطية سواي، ولا أتحلى بحلي مستعار»

ذم التقليد مطلقا ليس صحيحا، فالتقليد ضرورة للجاهل أو غير المتخصص، وليس في هذا نقص للمقلد، بل هذا تحقيق للتكامل المعرفي، والقضايا الشرعية التي لا يعرفها الإنسان ليست له إلا تقليد من يرى كفاءته العليمة ونزاهته الأخلاقية، فليس كل الناس مشتغلين بتحصيل علم الشريعة ومعرفة تفاصيلها الدقيقة.

فكلام ابن حزم خلاف لواقع الناس وطبيعة الحياة، فلا يمكن للناس جميعا أن تكون لديهم آلة الاجتهاد، وهي المعرفة بالأحكام وطرائق الاستدلال، ولعل ابن حزم لديه نفرة من كلمة التقليد، فهو في موطن آخر من كتبه يسلم بسؤال العامي للعلماء، ولكنه يجعل ذلك اجتهادا وليس تقليدا.

مبارك بقنة

مبارك عامر بقنه، باحثٌ في القضايا الشرعية والفكرية، نائب رئيس مجلس الإدارة في جمعية التنمية الأسرية في خميس مشيط، مؤلف ومترجم لعدة كتب.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق