اَراء سعودية
صريح القول

ليلة العمر في زمن كورونا

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

اتباعا لضرورة التباعد الاجتماعي لتفادي الإصابة بفايروس كورونا الذي ألقى بظلاله على جميع مناحي الحياة وتفاصيلنا اليومية، نجد أن المناسبات الاجتماعية اختلفت صورها وطبيعتها على النحو الذي لو تمت عليه قبل مباغتة وباء كورونا، لأدى ذلك إلى ذات الغاية التي أقيمت من أجلها المناسبة، كحفلات الزفاف أو استقبال المواليد أو الخطوبة أو حفلات التخرج، وغيرها من المناسبات التي أصبحت تقام من أجل لا يُسمع أو يقال ما يعزز شعور الدونية أو الأفضلية، أو من أجل التباهي بما تلتقطه كاميرات المدعوين.

ولو عدنا إلى بضعة أشهر قبل صدور قرار تعليق المناسبات للحد من تفشي الوباء، حتما سنجد عائلات كانت تستعد لإقامة حفلات الزفاف بقوائم متعددة من التجهيزات اللازمة، نتيجتها الحسابية «مبلغ وقدره» اعتقادا بأن الفرحة لا تكتمل إلا بإنجازها وتمامها، بدءا من عقد نية الزواج مرورا بتجهيزات القاعة وضيافة المدعوين، وانتهاءً بتأسيس بيت الزوجين وتكاليف رحلة تخليد الذكريات الجميلة لهما.

وكل ذلك جميل لو كان دون تحمل تبعات القروض وتسديد الديون من أجل إقامة ليلة، حين حلّ وباء كورونا، اقتصرها إلى ساعة أو ساعتين بعدد محدود من الحضور وبأقل التكاليف الممكنة، حيث أقامت بعض الاُسر حفلاتهم المختصرة بسعادة غامرة، حظي بها العروسان في المقام الأول، لأنها من أجلهما وذويهما ومحبيهما، وليست لأكثر من مئة أو ألف شخص قد يتكرر حضور البعض منهم، في ليال تسبق ليلة الزفاف أقرتها العادات والتقاليد المتوارثة في بعض المجتمعات، ابتهاجا واحتفاء بالزواج الميمون.

وفي الظل الظرف الراهن، انقسم الناس بين من انتهز الفرصة وأتم زواجه مراعاة للظرف، واحتراما لما نصت عليه التعليمات، وتخفيفا للأعباء المادية والاجتماعية التي قد تكون تبعاتها من الأسباب المباشرة أو غير المباشرة في تذبذب العلاقة الزوجية في أولى سنواتها، وبين من جعل زواجه افتراضيا، مستغلا إمكانيات التقنية الحديثة القادرة على تطبيق مبدأ التباعد الاجتماعي بالشكل الأمثل بأقل تكلفة وأكثر حضور يشاركونه الفرحة، من خلال أجهزتهم المحمولة أو الذكية، وبين من يجد فرحته لا تزدان إلا بحضور لفيف من الأهل والأصدقاء والمعارف، ليشاركوه فرحة ليلة العمر التي لطالما كانت الحلم المنتظر، وفي كل الأحوال يعود الأمر لحرية قرار الاختيار.

جائحة كورونا فيها الكثير من الدروس والعبر، التي لا تغيب إلا عن الجاهل الغافل، ومن تلك الدروس درس استدراك جوهر الكثير من تفاصيل الأمور والقناعات والعلاقات التي لو أصبحنا حيالها حياديي الاعتقاد والسلوك بمنطقية ووعي، لوجدنا أن المظاهر بكل أشكالها هي الدافع والغاية في ممارسات تلك التفاصيل، التي أبعدتنا عن استشعار حقيقتها، ومنها ما يتعلق بعلاقة الزواج التي يجدر بها أن تبنى على ما يحقق غاية الارتباط بمودة وسعادة ووئام، وليس بأعباء وتكاليف تثقل مستقبل الأيام.

فايزة الصبحي

خريجة كلية الاتصال من جامعة الشارقة، نائبة تحرير صحيفة إنماء في الإمارات سابقا، كاتبة في عدة صحف ودور نشر منها صحيفة الرؤية، دار مداد الاماراتية، صحيفة عكاظ السعودية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق