اَراء سعودية
صدى القرية

المعاناة.. حقيقة مؤلمة

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

حينما أكتب عن المعاناة، فلا يعني ذلك أنني سوداوي النظرة للحياة، وإنما أقصد نشر الوعي بتقبل الحياة كما هي، واقعا لا كما يصورها تفكيرنا «الرغبوي» المخادع، الذي يخدرنا، فنصطدم بفواجعها.

إن الحياة قائمة على المعاناة منذ اللحظة الأولى، ولا يوجد حل شامل وكلي ومستدام للمعاناة، فهي في صلب الهدف الوجودي للطبيعة ووسيلتها لتطوير وتنويع ذاتها، وكل ما يمكنك فعله هو تخفيف المعاناة لإيجاد كوى فيها تتسرب من خلالها السعادة للحظات معدودة، تبعث الأمل لمواصلة الكفاح فيها حتى الموت.

كل ما يحيط بك ويسكنك، عدو لك، يقتطع شيئا منك كل يوم، بل كل ثانية، وهذه المعاناة يجب عليك ألا تضاعفها بالخوف من المستقبل المجهول، والمفاجآت الحتمية، ومشاغبة الآخرين الذين يشاركونك الحياة والمعاناة أيضا، الخوف هو أداة الطبيعة لتحفيزك على العمل والهرب والدفاع لإطالة العمر أو تحسين وجودك المادي والمعنوي، ولكنه حينما يتجاوز حده الطبيعي لديك يكون مسرعا كبيرا لنهايتك البيولوجية ومدمرا لتكوينك النفسي، وهما سر بقائك في دائرة الوجود الحقيقي الذي جئت إليه بلا اختيار منك، وإنما كنتيجة لعمل الطبيعة على تجديد ذاتها وتنويع أحيائها.

الشجاعة في مواجهة الحياة بالصدق والتضحية، والجود والإيثار، والمغامرة والحب، والعدالة، والتواضع، والنزاهة، تطيل العمر وتخفف المعاناة وتمنحك القدرة على تقبل وجودك الاضطراري، وتفهم نهايتك الحتمية، فتعيش الحياة بأقل كلفة من الألم، وتساهم في تخفيف آلام الآخرين، وهذا أقصى ما يمكنك فعله خلال رحلتك الحتمية نحو الفناء.

لقد أوجد الخالق في الطبيعة قوانين صارمة وفاعلة، تدفعها نحو التطور اللانهائي، حتى يأذن لها بالوقوف، ولست سوى حلقة لا تذكر في سلسلة من الأكوان والمجرات التي لا تحصى، تتحرك بقوانين فيزيائية صارمة، كشف العلم ذرة منها لنا، وما زال غالبها الأكثر غامضا عنا، وللخالق في ذلك حكمة، فتواضع أيها الإنسان ولا تجعل من نفسك وطائفتك وعرقك وقبيلتك محور الكون، ووكيل الله، وقاضي البشرية وسوبرمان الحياة، واستمتع بلحظاتك كما تريد ولا تفسد لحظات الآخرين بوصايتك عليهم ومواعظك لهم، ونصائحك الثقيلة، وعادات جدك وأبيك وتطفلك الممجوج.

أحمد الغيلاني

أحمد محمد علي الغيلاني، طالب دكتوراه، ماجستير في أصول التربية من جامعة الإمام محمد بن سعود، له أربعه مؤلفات مطبوعة، وثلاثة أخرى تحت الطباعة. مارس الكتابة الصحفية في عدد من الصحف السعودية والخليجية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق