اَراء سعودية
بدون سكر

فلسفة الغباء وخط الأعداد

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

في اعتقادي أن برنارد شو لم يخطئ حين نُقل عنه قوله «إذا قرأ الغبي المزيد من الكتب الغبية سيتحول إلى غبي مزعج، وخطير جدا، لأنه سيصبح غبيا واثقا من نفسه، وهنا تكمن الكارثة»

كما أن العلاقة العكسية بين الثقة والعلم تبدو لي منطقية، فكلما ازداد الإنسان في العلم، تيقن أن ما لديه منه قد لا يتجاوز القطرة في البحر المحيط، وبالنتيجة فإنَّه لا يتحدث إلا في الجزء الذي تعلمه وبشكل دقيق وحذر، والعكس تماما صحيح، فكلما قل العلم امتلك صاحبه المزيد من الثقة في أنَّه محيط بهذا العلم من كل جانب، وبالنتيجة يكون ميالا للحديث بلغة العالم الواثق، فيما تعلمه وما لم يتعلمه منه.

الحقيقة أن من أكثر الناس إضرارا بالمجتمعات، أولئك المخدوعين في قدرهم العلمي، وهم أولئك الذين يصنفهم المناطقة بأصحاب «الجهل المركب» يعني هذا المصطلح الجهل والجهل بهذا الجهل، إنَّ الإنسان من الناحية العلمية والثقافية كخط الأعداد الذي منتصفه الصفر، وعلى يمينه وشماله السالب والموجب، والعلم هو ما ينبغي أن يمنحه قيمة في مضمار التكامل الموجب والعكس صحيح، من هنا فقد تُتاح لشخص فرصة القراءة والاستماع لعشرات الكتب ومئات المحاضرات، إلا أن جهل أصحابها بما يكتبون عنه ويتحدثون فيه يجعل هكذا شخص يسير إلى الخلف من حيث لا يعلم، فيصبح أكثر جهلا من الإنسان الذي لم يقرأ البتة شيئا، ولم يستمع إلى شيء.

الفرق هو أنَّ هكذا قارئ سيكون أكثر اعتقادا من أنَّه محيط بالعلوم التي قرأها، وبالنتيجة سيمارس دور صناعة الجهل في المجتمع والتخلف فيه من خلال اعتلائه منبر الإرشاد والتعليم في كل مجلس يجلس فيه، وكل وسيلة تواصل اجتماعي يملكها، ما يجعله بالنتيجة أداة لا تحسن إلا لغة الهدم وصناعة الرجعية والتخلف في المجتمع، بعكس ذلك الشخص الذي لم يقرأ شيئا ولكنه يذعن بجهله فيما لم يتعلم، ويلتزم لغة الصمت، عوض ذلك اللسان الذي يمنح الآخرين علما مزيفا.

هناك أنواع كثيرة من الغباء، ربما من أشهرها سبعة، هي: الغباء الخُلقي، المنطقي، العلمي، العاطفي، المصلحي، الأخلاقي والتاريخي، أكثر هذه الأنواع خطورة هي تلك التي تتعدى صاحبها لتؤثر على المجتمع وتساهم في صناعة الجهل فيه.

وهذه النقطة لا تتأتى إلا في أولئك الذين يتقمصون شخصية العالم ويتحدثون للناس ويفتونهم في كل علم وفن من غير علم كاف وتثبتٍ جيد، هؤلاء الذين صنعهم المؤلفون الجهلة والكتب الغبية، هم في حقيقتهم من يهدمون المجتمعات ويعودون بها إلى الوراء، وهم أشد فتكا بها من شتى الأسلحة، لأنهم يخلقون مجتمعا في غالبه لا يحسن فهم الحقائق وقراءة الأحداث المختلفة، قراءة واعية وإدراك السليم من السقيم، كما لا يحسن التمييز بين دعوات الإصلاح ودعوات التخلف المغلفة بشعارات المصلحة وألوان التقدم.

سراج أبو السعود

سراج علي أبو السعود , حاصل على الاجازة من جامعة الملك سعود في تخصص البحوث والعمليات (الأساليب الكمية)، مارس الكتابة الصحفية على مدى 20 عاماً في عدد من الصحف السعودية .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق