اَراء سعودية
في مهب الحرف

القلق من تمام الأشياء

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

لمحمود درويش قصيدة «لا أريد لهذه القصيدة أن تكتمل» أكثرنا يحفظ هذا البيت «إذا تمّ أمر بدا نقصه … ترقب زوالا إذا قيل تمّ» وللفنان بول سيزان قوله «إن الأشياء المكتملة هي أهداف الأشخاص المعتوهين»

أما في رواية «نظافة القاتل» للبلجيكية أميلي لوثومب يرد هذا المقطع على لسان بطل الرواية «إنه من المفيد جدا للكاتب، في مجرى حياة أدبيّة ناجحة، أن يترك رواية غير مكتملة، فهذا سيمنحه مصداقيّة، وإلّا فيُعتَبَر كاتبا من الدرجة الثالثة»

ما أعرفه وشاهدته في طفولتي، أن العم معيض -رحمه الله- وقد كان بنَّاءً مشهورا ومعماريا صاحب رؤية فنية، أظنه قد اكتشف فكرة الكرسي الإفرنجي، قبل أن تسمع به قرانا الوادعة، فصنع في «سطح» منزله في قرية غافلة ما يشبه الكرسي الإفرنجي لكن بالحجر.

ليس هذا ما أود أن أنقله عنه، الفعل الذي يخدم العنوان في أعمال العم معيض، هو أنه كان حين يكمل البناء يتناول الفأس فيضرب به ضربة في واجهة المنزل أو فيما يعرف محليا بالجباهة، تُحدث شرخا بسيطا وغير مؤثر.

كنت أسأل نفسي لماذا؟ بعد حين فسرت الفعل بأنه كان فنانا يعيش قلق الكمال، ولكيلا يحمل رأيي يقينا، سأقول إن فكرة العم معيض حول قلق الكمال هي في الغرب منهج فكري، تحولت ممارسة تقام لها معارض وفعاليات فنية، فقد أقيم بمتحف بريور في مانهاتن خلال عام 2016‏م معرض للأعمال الفنية بعنوان «الفن غير المكتمل»

ومن الطرائف هنا، أن تشكيليا فرنسيا حضر الوزير والجمهور لافتتاح معرضه، لكنه غاب عن المنصة، لأنه كان مشغولا بإضافة لون على إحدى لوحاته.

‏إي انغماس هذا، وأي شغف سكنه، حتى أن لونا ألهاه عن احتفالية الافتتاح التي يحضرها الوزير؟ ربما لا شيء أكثر من رغائب وقلق الكمال.

ومما قرأته: أن الفراغ بين شطري القصيدة قد يقول أكثر مما يفصح به صدر البيت وعجزه معا، فهو تعبير لا شعوري عن قلق الكمال، فلو جاء الصدر والعجز دون فراغات سيحلُّ بالبيت الشعري الفساد شكلا ومضمونا، إذاً فالفراغات في القصيدة رغبة مخبوءة في عدم الكمال.

لو تخيلنا أن الفن اكتمل، فهل سيبقى للفنان اشتغال؟ وهل يبقى له موطأ قدم على هذه الأرض؟ من هنا يأتي سرّ عدم الكمال، فهو الشرط المهم للاستمرارية وهو المحرض الجيد على البحث عن الجديد في كل مجال.

ويقينا، أن النهايات غير المكتملة غربلة للعقل واختبار للتخيل والتأمل، ومساحة لمزيد من الاشتغال وهذا مُلهم.

‏وختاما، حين تشعرون بأن ما كتبته ناقص بشكل ما سأكون سعيدا جدا، فأنا أيضا أعيش تحت وطأة «القلق من تمام ما أكتب».

ناصر العُمري

ناصر بن محمد أحمد العُمري، كاتب رأي في عدد من الصحف المحلية، نائب رئيس اللجنة الإعلامية لقرية الباحة التراثية بمهرجان الجنادرية، رئيس تحرير مجلة تهامة الصادرة من الغرفة التجارية الصناعية بالمخواة، المنسق الإعلامي لبرامج أندية الحي الترفيهية التعليمية و أمين عام ملتقى المواطنة الرقمية والأمن السيبراني بمنطقة الباحة حاصل على دبلوم عالي في استخدام الدراما في التعليم من معهد نور الحسين في الأردن، رئيس اللجنة الثقافية بمحافظة المخواة وعضو لجنة المسرح بمنطقة الباحة. حصل على جائزة المركز الأول في مسابقة النص المسرحي على مستوى السعودية عن نص «كانت أيام» من الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالجوف وجائزة المركز الثالث في مسابقة أحمد أبو ربعية بالمدينة المنورة عن نص «انتظار» وجائزة أمير منطقة الباحة للإبداع المسرحي عن نص «آن له أن ينصاع». كما ساهم في اخراج العديد من الأعمال المسرحية. نشر له العديد من المقالات المسرحية والقراءات في العديد من الصحف والمجلات المحلية والعربية. صدر له كتاب «ركح الفرجة» و «صراع .كوم»، وشارك في العديد من المنتديات والمؤتمرات والندوات الثقافية والمسرحية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق