برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
حياة

تعلُّم الفلسفة وعلاقته بتفكيك خطاب التطرف

يتداول الكثيرون أهميةَ علم الفلسفة ودورها في تفكيك خطابات التطرف والإرهاب، لكن الذي يغيبُ عن أكثر الباحثين معرفةُ الجانب المشترك بين تعلُّم الفلسفة والحماية من التطرف والإرهاب، فقد يأتي من يقول بأن ليس للفلسفة دورٌ في الحماية من التطرف، وذلك خطأٌ محضٌ وتصورٌ مجانبٌ للحقيقة، لأننا إذا تمعنَّا في مفهوم التطرف فسنجد أنه الخروج عن حدود التسامح العام، وعدم تقبُّل الآخر المختلف دينيا أو مذهبيا أو عرقيا، إذ إنه أحدُ أنماطِ التفكير الدوغمائية الوثوقية المطلقة التي تعتمد على فرض الرؤى وإقصاء الآخر المختلف، التي قد تنتهي إلى العنف والإرهاب، وذلك من أجل إرضاخ الآخرين المختلفين على فكرةٍ واحدة، أو تنتهي إلى تكفيرِ وتضليلِ المسلمين من الطوائف والمذاهب الأخرى، فضلا عن خنق الحريات الاجتماعية التي تختفي باختفائها طبيعةُ حياة الناس القائمة على الاختلاف والتنوع، كما في قوله تعالى «ولوشاء ربُّك لجعلَ الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين»

الفلسفةُ بماهيتها ومفهومها وتاريخها ومجالاتها المعروفة، لها دورٌ كبيرٌ في خروج العقل من أنماط التفكير الدوغمائية الإقصائية الأُحادية التي تنبذُ الآخرَ أو تعاديه لأجل دينه أو مذهبه أو عرقه ولونه، لأن تاريخ الفلسفة –كما يعبر الكاتبُ سعيد ناشيد في كتابه التداوي بالفلسفة– هو تاريخ العقل الذي نفكرُ به، فالفلسفةُ تمنحنا أدوات التفكير في الحياة والوجود والزمان والمكان والجمال والأخلاق، وتمنحنا أيضا -كما يعبرُ رابوبرت في كتابه مبادئ الفلسفة– الطرقَ التي يتبعها العقل للوصول إلى نتيجةٍ صحيحةٍ، وهو ما يعرفُ بعلم المنطق، وهو أحدُ مجالات الفلسفة، وهو العلم الذي يمنحُ المتعلِّمَ طرقا لإثبات حقائق الأشياءِ أو نفيها.

فالفلسفةُ بماهيتها وتاريخها تتألَّفُ من ثلاثة خطوطٍ متوازية – كما هو تعبير الكاتب سعيد ناشيد– وكل تلك الخطوط ناقضةٌ لمفاهيم التطرف المؤدي للعنف والإرهاب.

الخط الأول: فن التفكير، بمعنى كيف أفكر؟ المنهج، المنطق، النقد، الحقيقة، الواقع، وتروم استراتيجيةُ هذا الخط على تنمية القدرة على التحليل والتفكير، وعندما ينام العقلُ تستيقظ الأشباح، ويتنامى التطرف والغلو في الدين في المجتمعات التي تهمِّشُ العقلَ، أو تلك المجتمعات الأخطر التي تنبزُ من يتبناه بالعقلانية –كما قد حصل في وقت ما يسمى بالصحوة الإسلامية المتطرفة- ويتنامى كذلك في المجتمعات التي تتعاطى مع العقل بسطحية، التي تعتمد على التلقي والتقليد والأخذ عن المذاهب دون فرزٍ دلاليٍ برهاني.

الخط الثاني: فن العيش، بمعنى كيف أعيش؟ وترومُ استراتيجيةُ هذا الخط إلى تنمية القدرة على العيش، والذاتُ ميالةٌ بطبعها إلى الكآبة والشقاء والخوف من المستقبل، ويواجَه هذا الخط –كما في تعبير سعيد ناشيد– بالمسائل الفلسفية في الحياة، من قبيل: كيف أستمتعُ بالحياة البسيطة؟ وكيف أتحمَّلُ الآلام الفظيعة؟ وكيف أتقبَّلُ فكرة الموت برضا؟

الخط الثالث: التعايش وفن العيش المشترك، بمعنى كيف نعيشُ معا؟ وكيف نتعايش؟ الدولة، الأخلاق، العدالة، المجتمع، الحضارة، القانون، التواصل، وتتعلق استراتيجية هذا الخط بتنمية القدرة على العيش المشترك، ويضيف الكاتب: نجد على مسار هذا الخط فلاسفة كبار منهم: أفلاطون مؤسس الفلسفة السياسية، وهيغل مؤسس فلسفة التاريخ، وماركس مؤسس نقد الاقتصاد السياسي.

وستبقى خطابات التطرف والإقصاء بأنواعها العقائدية والمذهبية والعرقية موجودة إذا لم يتم بناء المؤسسات التعليمية العامة والجامعية بأسسٍ تعليميةٍ فلسفيةٍ واضحةَ الأهداف والمعالم تقتضي صياغةَ مفهومٍ متكاملٍ للإنسان المواطن الفرد، وتمنحه مهارات التفكير الفاعلة التي تحميه من الشعور بالكراهية والبغضاء ضد المختلف الديني أو المذهبي أو العرقي، التي تمنحه أيضا الأدوات العقلية والمقاصدية لفهم النص الشرعي وكيفية ثبوته وفهمه، وكذلك تأهيلُه للاندماج في محيطه الوطني والعالمي، وتأهيلُه كذلك للتكيُّف مع مختلف المعطيات المتجددة لعصرٍ سريع التغيُّر والتحول.

وعلى مسؤولي المؤسسات التعليمية والجامعية في المنطقة العربية أهمية المراجعة النقدية الشمولية لمضمون مناهج التعليم العام والجامعي وفق المرجعية الفلسفية الآنفة الذكر، وذلك بغرض تجديدها وتحديثها وجعلها أكثرَ فاعليةً مما هي عليه الآن.

أخيرا: الفلسفةُ أداةُ نقد، وذلك من خلال أهم مجالاتها وهو علم المنطق، والعقليةُ الناقدةُ قادرةٌ على نقد مظاهر التطرف والإرهاب.

عادل العُمري

أستاذ مشارك بجامعة القصيم، عضو مجلس مركز أبحاث العلوم الشرعية واللغوية بجامعة القصيم، دكتوراه في علوم القرآن والتفسير من جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، شارك في العديد من المؤتمرات والندوات داخل المملكة وخارجها، له مقالات صحفية جادة ولقاءات تلفزيونية في مختلف القضايا الشرعية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق