برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قهوة السابعة

فلسفة أسطورة «الجميلة والوحش»

يحاول الإنسان على مر العصور أن يستوعب ماهية الجمال اللامتناهي، فتارة يُغَلِّبُ الإيمان بالجماليات المادية في الحياة، كجمال الطبيعة والفنون وجمال الشكل والجسد، وتارة يُغَلِّبُ الإيمان بالمفاهيم السامية، كالدين والأخلاق والفكر، كل ذلك من أجل خلق الانسجام بين مفاهيم الجمال المتعددة والمتشعبة الموجودة في حياته وعلاقاته، ليوظف هذا الشعور والمزاج في ترجمة معنى الجمال الكائن واللامحسوس بالقدْر الذي يجعل كل ما حوله سببا في سعادته.

إن الإنسان لا يولد وهو يمتلك خارطة إدراك المحسوسات عبر حواسه فقط، وإلا لكان البشر نسخة واحدة، لكن قد تتدخل هيمنة الاعتياد ومعايير المجتمع والسائد، فيتوحدوا في الاعتماد على إدراك المحسوس واستشعار الجمال والحكم على الجمالية بحاسة واحدة «حاسة البصر» ويهملون بقية حواسهم المثبتة وغير المثبتة، كما حدث حقيقةً لــ«بيتروس» المولود في القرون الوسطى بتشوه نمو الشعر الغزير في كل جسده، ما جعلهم يعتبرونه وحشا، فسجنوه في قفص وقدموا له طعام الحيوانات، بل حتى بعدما اكتشفوا أنه بشر بشعر غزير أطلقوه من القفص، ليتندر على شكله أصحاب الطبقة النبيلة؟

وقد عمقوا مأساته عندما زوجوه بإحدى بنات الخدم الجميلة التي رضت بقدرها وأحبته، لكنهم لم يكتفوا بذلك بل ظلت هذه اللعنة تلاحقه إذ استعملوه وسلالته التي تشبهه في إضحاك نبلاء القصر، وقدموا أولاده هدايا لملوك أوروبا.

وتأتي أسطورة «الجميلة والوحش» مؤكدة النسخة الحقيقية من القصة، وبدايتها: تطرق ساحرة متسولة عجوز تشعر بالجوع وبالبرد، باب الملك، طالبة منه المساعدة، فيسخر من بشاعتها ويطردها، لتقرر الانتقام منه وتحوله إلى وحش مخيف، ظلت هذه اللعنة تلاحقه حتى يتطهر منها بعد قصة حبه للجميلة، التي اكتشفت أنه شخص مثقف يحب القراءة وحنون وطيب، فقررت أن تتزوجه رغم بشاعته، وبهذا خلصته من  اللعنة.

حملت الأسطورة الحقيقية السابقة فلسفة، مضمونها: أن المرء ربما يشغف بجميل المحسوس، كالوجه والجسد ولكن جمال الروح لا يقل شغفا بل بالعكس هو الانطلاقة والانعكاسة لنرى الجميل اللاملموس الذي يشع خلف الجسد.

إن الجمال الحقيقي ليس فقط جمال الشكل والوجه، بل أهم ضالة جمالية يجب أن يهتدي إليها الإنسان، هي جمال الروح والأخلاق والحب، وهذه أبجديات الجمال الطبيعي، وهي من ينتصر ويبقى للأبد.

صحيح أن الكثير من البشر لا يعترف بجمال الروح، وهذه خسارة، فالإنسان الجميل كالجوهرة جمال باطنه يعكس على ظاهره، فيحقق الاكتمال وهو الغاية، ومن الغباء بمكان أن نخسر إمتاع أنفسنا بصحبة وميزات هؤلاء المكتنزين بالجمال، بسبب تعطيل حواسنا الأخرى في التعامل معهم.

إن العلاقات القائمة على انتقاء أصحاب جمال الروح هي الأجمل أُنْسَا، والأكثر ربحا، والأقوى رسوخا وما أجمل قول الشاعر فيها:

إنّ الورودَ التي راقت مناظرها ** تموت حتما ويذبل غصنها الخضرُ

إنّ الجمالَ جمال الروح فأدركه ** ورونق الحسن مقياس لمن خسروا.

فاطمة اليعيش

فاطمة اليعيش , حاصلة على الاجازة الاكاديمية في مجال التربية , مهتمة في التمية وتطوير الذات , عملت في وزارة التعليم وشاركت في العديد من الدورات والورش المتخصصة في مجال الصحافة والتربية والتعليم , لها العديد من المساهمات في مجال الاختبارات والقياس , كتبت في عدد من الصحف منها صحيفة اليوم و الشرق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق