نقطة نظام

ما بعد العلامة التجارية

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

لكل إنسان طريقته الخاصة في فهم العلامة التجارية وقيمتها، وكل إنسان يجد نفسه بطريقة ما، غارقا في تحليل تلك العلامات التجارية عندما يتجوّل في الأسواق الكبيرة ويجد نفسه محيطا ومحاطا بالعشرات منها، بأشكال وألوان مختلفة، وتبدأ في مخيلته تتوالى تلك الصور عن قيمة هذه العلامة التجارية أو تلك، انطلاقا من سمعتها أو حضورها أو شكلها أو أسعار منتجاتها أو جودتها أو بلد منشأها وما إلى ذلك.

هذه الممارسة الحياتية البسيطة التي لا يهتم لها كثيرون، هي ذراع مهمة في تسويق تلك العلامات من دون إدراك كامل من المستهلك، فالشركات الكبرى انتبهت لهذا الأمر من بداية الألفية، وافترضت بأن المسوّق هو العميل، والحديث هنا الآن ليس عن تضخم الأفكار التسويقية بقدر ما هو عن أهمية العلامة التجارية اليوم، والسؤال الكبير: هل هو جميل لأني أحبه، أم أحبه لأنه جميل؟ سؤال مفتوح ومعقد في برمجة سلوك المستهلك.

دائما ما نجد في مجتمعنا ذاك الشخص الذي لا يعير للعلامة التجارية أي قيمة، وتقييمه دوما للمنتج وجودته، وغالبا هذه النظرية لا تحظى بتأييد كبير في الأوساط الشبابية على الأقل، وهذا عائد إلى أسباب نفسية تتعلق بالمرحلة السنية، وقد يصل الحال بأحدهم إلى شراء سلعة مُقلّدة لعلامة شهيرة، من دون مراعاة جودة السلعة وصلاحيتها، في المقابل هناك مَنْ يفتخر بأنه اشترى سلعة بسعر زهيد قبل سنوات ولا تزال بكامل جاهزيتها ورونقها.

أمريكا والصين وألمانيا وكوريا ذهبت بعيدا في مدرسة العلامات التجارية، وأصبحت شركاتها هي المعلم الأول في سوق اليوم، وأصبحت العلامات التجارية تُسجل على أدق التفاصيل، حتى أن هاتفك المحمول يحمل في تركيبته الداخلية ما لا يقل عن 100 علامة تجارية، ولكن الشركة التي باعتك الهاتف كان اسمها ممهورا على خلفيته.

في المقابل ستجد أن هناك فكرة يابانية قادمة بقوة من الأحياء الفقيرة، وبدأت في الانتشار، كما لو أنها علامة تجارية دون تسجيل ضد فكرة العلامة التجارية المسجلة، تقوم الفكرة على أن بضاعتها تمتاز بأنها جودة عالية من دون علامة، أي أن السلع المعروضة في المتجر كلها لا تحمل علامات تجارية ولكن جودتها عالية، يضمن لك ذلك صاحب المتجر، ستجد خلال زيارتك للمكان نفسه كل أسبوعين، أشكالا وألوانا مختلفة لذات السلعة.

والغرابة ألا حدود للأفكار الابتكارية التي تنتجها هذه المتاجر وبأسعار عادلة غالبا، على سبيل المثال، وصل عدد أنواع المنتجات المعروضة في المتاجر اليابانية إلى 7000 منتج، فاليابانيون بهذه الطريقة أوجدوا طريقا للرزق سهلا ومضمونا للحرفيين والمهرة المهدورة حقوقهم في عقود الشركات العملاقة.

ومن وجهة نظري، فإن هذه الفكرة قابلة للاستنساخ في كل بلد ولكل منتج، من خلال هذه الفكرة، بإمكان كل بيت أن يمتهن صناعة منتج وعرضه دون الخوض في معارك العلامات وتحديات السوق التي يتحكم في ها الكبار.

اليابان وصلت إلى مرحلة ما بعد العلامات التجارية، وهذا ليس بغريب على بلد فيه أكثر من 33 ألف شركة، يفوق عمرها مئة عام، ومحلات ومقاهٍ تجاوز عمرها 1000 عام لم تنقطع عن العمل يوما، يورثها الآباء للأبناء من بعدهم، فحين تقارن شركات اليابان المعمرة أو ما تسمى بـ«الشينيسه» بشركات وادي السيليكون في الولايات المتحدة، ستجد أن الشركات اليابانية ترتكز على قيمة الاستدامة أكثر من فكرة تحقيق أقصى قدر من الربح بشكل سريع، وهذا ما يجعلها مستمرة إلى اليوم.

وبعيدا عن الصراع بين الشرق والغرب، أود أن أسوق هذا العتب على هيئة الملكية الفكرية السعودية، في تأخرها في السماح بانتقال العلامة التجارية مع بيع المحل، ما لم يتفق على الخلاف، وتشريع الأخذ بأسبقية العلامة التجارية، وضرورة التشريع للعلامة التجارية المشهورة، واعتماد الصوت والصورة والرائحة، كعلامات تجارية أسوة ببقية الأنظمة العالمية المتقدمة.

وحتى لا يقال يوما: إن اليابان وصلت لما بعد مرحلة العلامة التجارية، ونحن ما زلنا فيما قبلها.

أحمد الفاضل

أحمد عبدالله الفاضل، بكالوريوس قانون، ماجستير الممارسة المهنية للقانون من جامعة الملك عبدالعزيز، كتب في العديد من الصحف والمواقع السعودية والعربية، محكم معتمد من هيئة المحكمين العرب، محامٍ ومستشار قانوني.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق