اَراء سعودية
فضاءات

لا تنصح أحدا

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

لا شك في أن لكل إنسان رأيا ووجهة نظر، خاصة به في كل ما يدور حوله من أشياء ومن أفكار ومن مواقف وسلوكيات… إلخ، وجهة نظر تنطلق من رؤيته وطريقة تفكيره وخلفيته الفكرية وكم التجارب والممارسات التي شاهدها وعايشها في حياته.

ولا شك أيضا في أن هذا الإنسان أكثر مقدرة على التحليل والتقييم، ومن ثم يكون أكثر موضوعية ودقة في وجهات نظره ورؤاه للأمور التي تخص الآخرين، أكثر من تلك التي تخصه هو، بسبب أن الإنسان في هذه الحالة يكون خارج الدوائر النفسية والعاطفية والانفعالية المحيطة بالموقف أو الموضوع، وبالتالي فإنه سيكون أكثر تجردا من كل هذه العوائق المضللة وأكثر قربا للعقل والمنطق والموضوعية.

هذا الرأي الأقرب للموضوعية الذي نتوصّل إليه في مواقف الآخرين وشؤونهم، غالبا ما نحتفظ به لأنفسنا، إلا أننا أحيانا نبدي هذا الرأي لهم من خلال المشورة أو النصيحة، وما بين المشورة والنصيحة هناك اختلاف حاد وجذري، فالمشورة هي أن يطلب منّا صاحب الموضوع رأيا في موضوعه ليستنير به، وبالتالي هي نوع من الذمة والأمانة التي تلزمك بأن تبدي رأيك بكل وضوح ودقة وشفافية لمن طلبه منك.

أما النصيحة، فهي أن تقدّم أنت رأيك للآخر في موضوعه دون أن يطلب هو منك ذلك، وبالتالي هي نوع من فرض الرأي أو التطفل أو الحرص الذي يقابله الآخر بردة فعل قد تكون غير متوقعة.

وقد قدّر تاريخنا العربي في مروياته وسردياته النصيحة بشكل كبير، إلى درجة أنه يحاول أن يقنعنا بأنها كانت تشترى بالمال «وأظنه هنا يخلط ما بين المشورة والنصيحة» لكن هو بشكل عام يمتدح ويحض على ممارسة النصيحة، دون أن يشرح لنا ماهية الاختلافات ما بين النصيحة والعذل، في الوقت الذي جعلنا فيه نحب الناصح في موقع، ونكره العاذل في مواقع عدة، دون أن يمنحنا الفرق ما بين الناصح والعاذل، الذي يسبه هذا الموروث في المقابل كثيرا.

لكننا لو تمعنّا قليلا، لوجدنا أن الناصح هو العاذل ولكن بوجهة نظر المنصوح. وهذا يعني أن ثمة وجها آخر قاتما للنصيحة، فهي تسمى عذلا حينما تعارض رأي الآخر وقد تسمى تحريضا عندما تشجعه، وفي كلتا الحالتين كان الناصح بالغ السوء كما وصفته نفس الأدبيات العربية شعرا ونثرا.

نعم وبكل أسف، فإن النصيحة ممارسة قد تكون قليلة الذوق وقليلة القبول، حتى وإن كانت دوافعها في الغالب هي الحب والحرص على الآخر، فنحن لا نعرف ردة فعل هذا الآخر نحو رأينا الذي لم يطلبه منّا، الذي قد يراه نوعا من التطفّل على حياته والتدخل فيها، والتشكيك في قدراته على إدارة هذه الحياة بالشكل الذي لن نكون فيه سوى عذّال، نعم عذال بكل تلك الصورة القاتمة والبغيضة التي رسمها لنا التاريخ عن هؤلاء العذال.

لذلك فإنني كثيرا ما أقول لنفسي إذا لم يتم طلب رأيك واستشارتك بشكل مباشر وصريح، فلا تقحم رأيك في حياة الآخرين مهما كنت تحبهم وتحرص عليهم، احذر النصيحة لمن لم يطلبها منك حتى لا تصبح عاذلا بغيضا أو محرضا لئيما في نظره.

المشكلة أنني أحيانا وفي غمرة حب الآخر والحرص عليه أقع في فخ نصيحته، وغالبا ما أتحسس نفسي عذولا لئيما أو متفلسفا متعاليا في عين هذا الآخر، برغم كل محاولاته لإخفائها عنّي.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق