اَراء سعودية
بين الضفتين

وطنية مشروطة

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

الوطنية المشروطة برغد العيش والحصول على الامتيازات، أبعد ما تكون عن المفهوم الحقيقي للوطنية الحقة، فهي مجرد ولاء وقتي يزول بزوال الدوافع والأسباب، بمعنى أن الولاء هنا مرهون بتلبية الاحتياجات الضرورية وغير الضرورية، كي يبلغ المرء مرحلة الاستقرار المادي والمعنوي، وعندها فقط يمكن التغني والحديث عن الوطنية بملء الأشداق، بل والمساهمة في شيوعها بين أنصار هذا النوع من الوطنية.

لا أود أن أركز في مقالتي على حالة محددة، لأتخذ منها مثالا على ما أسميه بـ«الوطنية المشروطة» لأنها وللأسف شائعة على نطاق واسع في المجتمع، لذلك من الظلم إسقاطها على حالة واحدة دون سواها من الحالات المتكررة هنا وهناك، نتيجةً للفهم المغلوط لدى الكثيرين حول بعض المفاهيم ذات الارتباط الوثيق بالحياة المدنية المعاصرة، كما أني لا أود أن أتقمص دور الباحث الاجتماعي الذي يتلمس جذور المشكلة بمشرطه الأكاديمي بحثا عن تفاصيل دقيقة ربما لا تهم القارئ العادي، الذي يتطلع إلى خلاصة تختصر عليه الحكاية من ألفها إلى يائها.

الحياة الكريمة غاية تسعى لها الحكومات باختلاف أيديولوجياتها اليسارية واليمينية، كي تضمن على الأقل الديمومة والاستقرار في المستقبل المنظور، ورهان ذلك يقف دائما على إمكاناتها وقدراتها الاقتصادية، وبطبيعة الحال دور الحكومات لا يرتكز فقط على خلق فرص العمل لتوظيف العاطلين، بل هو أشمل وأعم من ذلك بكثير، وإن كان الدخل المادي للأفراد عنصرا مهما في تجسيد حق الحياة الكريمة على أرض الواقع، إلا أنه لا يجب أن نغفل الحقوق الأخرى التي لا تقل أهمية، مثل الحقوق المدنية وتطوير البنية التحتية، وجودة الخدمات، وحماية البيئة، وتنوع الأنشطة الترفيهية… إلخ، كل هذه الحقوق مجتمعة، هي جوهر الحياة الكريمة التي تطمح لها الحكومات والشعوب منذ البدايات الأولى لولادة مفهوم الديمقراطية في بلاد الإغريق.

وكلنا نعلم أن نسب البطالة في العالم في ارتفاع مستمر، ولا نستبعد بأنها قد تتسبب في أزمات اجتماعية وأمنية على المدى القريب، خاصة أن دولا ذات ثقل اقتصادي مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإسبانيا وغيرها من دول أوروبا، تشهد موجة من حالات الإفلاس لبعض كبرى شركاتها، بسبب أزمة فايروس كورونا المستجد، إلا أن ذلك لم يكن دافعا أو مبررا أن يصُبَّ الناسُ جام غضبهم على أوطانهم وينحازوا إلى الأعداء نكاية في حكومات بلادهم، كردة فعل على بعض السياسات الخاطئة في معالجة القضايا الملحة في مجتمعاتهم، بل إنه لم يجرؤ أحد على المطالبة بطرد العمالة الأجنبية من سوق بلاده، بذريعة أحقية المواطنين في خيرات بلادهم، لأن ذلك يأتي على حساب معيار الكفاءة والخبرات والمؤهلات العلمية، التي تحتاجها الدول لتحقيق نهضتها الحضارية في مختلف المجالات، كما يحدث في أغلب دول العالم الأول، فمن البديهي أن فرص العمل تخضع للمنافسة بين المتقدمين، طبقا لهذه المعايير، أضف إلى ذلك أن الوطنية بالنسبة لهم خط أحمر لا علاقة لها بسياسات وتوجهات الحكومة، لا من قريب ولا من بعيد.

لهذا أقول: إن علينا ألا نخلط الأمور أكثر مما يجب، وأن نحرر الوطنية -على الأقل في أذهاننا- من الاقتران بأي نوع من الشروط المسبقة، التي قد تتحول مع مرور الزمن إلى أمر بديهي في زيادتها ونقصانها، لدى مراهقي التواصل الاجتماعي.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق