اَراء سعودية
تفاعلقضايا معاصرة

التوطين في الميزان التنموي

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

يُعد التوطين من أحد أهم المستهدفات الجوهرية لـ«رؤية 2030» بما تضمنته استراتيجيتها من برامج تنموية متنوعة ومبادرات رائدة، تخدم عملية التوظيف والتطوير لمواردنا البشرية الوطنية ولمنتجاتنا المتنوعة، وبما احتوته من سياسات وخطط مؤسسية وإجراءات تهتم بإيجاد فرص عمل للمواطنين، تواكب أهدافنا التنموية، وبما سعت إليه من استحداث وظائف تناسب تطلعاتنا الوطنية المأمولة في جميع المسارات التنموية لقطاعاتنا المختلفة ولمواردنا البشرية.

من خلال تتبع معدلات التغير في البيانات الإحصائية المستهدفة لفترات متتالية، يمكننا رصد وتقييم مستوى نجاح مسيرة التنمية في ذلك القطاع أو ذاك بما يخدم أهدافنا، كما يمكننا تأكيد إخفاقه دون مجاملة لمنجزاته أو تجميل لبرامجه ومبادراته، التي يتم الإعلان عنها والترويج لها إعلاميا، لاستلاب الرأي العام والتأثير عليه وإشغاله بفعاليات واهية، توهم المتلقي بالعزم على تحقيق أهدافه وتطلعاته، رغم الجهود الواهية والإجراءات غير المدروسة والسياسات المتعارضة مع تنفيذ استراتيجيتنا الوطنية.

بتتبع نتائج الإحصاءات الوطنية لمسح القوى العاملة في سوق العمل الوطني بقطاعيه العام والخاص لعدة فترات، يتضح أن شعارات التوطين بالنسب المعلنة في القطاع الخاص، وما يصاحبها من حملات وتصريحات نحو تيسير التوظيف والتوطين، وما يعقد عليه من آمال، إنما ينتهي وجودها وتنطفئ شعلتها بانتهاء الإعلان عنها، وإنها لم تكن سوى فقاعة إعلامية تفتقد إلى المحتوى المؤسسي الصحيح، الذي يمكنه وضع السياسات المناسبة والأخذ بالإجراءات المطلوبة، وتنفيذ الآليات القادرة على بلورة الأهداف والتطلعات إلى واقع نعيشه ومنجزات نلمسها.

تشير بيانات معدلات تشغيل المواطنين في القطاع الخاص، إلى إن هناك تعثرا واضحا في عملية التوطين، بل وضعف وتذبذب في معدلات وجود المواطن في جميع الوظائف المتاحة في القطاعين الخاص والعام، وذلك رغم أن البطالة لم تنخفض بين المواطنين بمعدل يذكر، فبعد أن كانت 12 في المئة في الربع الأخير من العام 2019، أصبحت 11.8 في المئة في الربع الأول من العام 2020، مع العلم أن هناك تراجعا في معدل المشتغلين من المواطنين خلال نفس الفترة.

وبمتابعة وتقييم مدى نجاح التوطين في القطاع الخاص باعتباره المستهدف في مسيرة التنمية، الذي يستحوذ على أكبر نسبة من المشتغلين في سوق العمل، فإن البيانات تؤكد ضعف التوطين وتعثره، رغم ما تضخه الجامعات والكليات من مخرجات مختلفة، وما نستقبله من مخرجات الابتعاث سنويا، إذ تشير البيانات إلى أن نسبة المشتغلين السعوديين كانت 18.07 في المئة في العام 2016 مقابل 81.92 في المئة لغير المواطن، لترتفع نسبتهم بعد عامين إلى 21.80 في المئة في العام 2018، ونسبة 78.19 في المئة لغير المواطن من العام نفسه.

أما الربع الأول من العام 2020 فيشير إلى تراجع التوطين بانخفاض نسبة المشتغلين المواطنين إلى 22.7 في المئة، بعد أن كانت 23.15 في المئة في الربع الرابع من 2019، بينما ارتفعت نسبة المشتغلين من غير المواطن من 76.84 في المئة إلى 77.29 في المئة لنفس الفترة.

ومن جانب آخر فإن إحصاءات الربع الأول من العام 2020، تشير إلى أن معدل البطالة بين السعوديين يرتفع إلى 62.9 في المئة للفئة العمرية من 20-29 سنة، وإن أكثر من نصف العاطلين عن العمل هم من حملة البكالوريوس وذلك بنسبة 58.1 في المئة، بينما تسجل بطالة مخرجات الدبلومات للعلوم الإنسانية نسبة 25.4 في المئة من العاطلين المواطنين.

وإن ما تطالعنا به وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي من أحداث وتجاذبات حول تطلعات المواطن، وآماله بالتوظيف، لتمكينه من المساهمة في مسيرة التنمية، ليستحق الوقوف عنده لتقييم مدى نجاح إدارة الموارد البشرية في توطين كثير من الوظائف التي يستحقها المواطن ويشغلها غيره، وذلك يدفعنا إلى التساؤل، ألم يكن ضم إدارة جميع الموارد البشرية -الخدمة المدنية والتأمينات الاجتماعية- تحت مظلة واحدة، الهدف منه تعزيز وضبط التوظيف للمواطن؟ أليس توحيد إدارة جميع الموارد البشرية العاملة، كان يتوقع منه تحقيق نقلة نوعية في التوظيف والتوطين؟ أليس القطاع الخاص الذي يستحوذ على 84.07 في المئة من نسبة المشتغلين في سوق العمل يستحق مراجعة سياساته وأنظمته وضبطه؟ وهل انخفاض نسبة المشتغلين المواطنين في القطاع الخاص إلى 22.7 في المئة لا يلفت انتباه إدارة الموارد البشرية رغم آلاف المطالبات بالتوظيف من المواطنين الذين يعانون من البطالة أو يبحثون عن عمل لائق بمؤهلاتهم؟

ولماذا تسعى إدارة الموارد البشرية دوما إلى تبرير ضعف منجزاتها في التوطين، بخذلان المواطن والتقليل منه بتبريرات واهية؟ أليست إدارة الموارد البشرية مسؤولة عن تنظيم ومتابعة إشكاليات سوق العمل وتحدياته المتنامية؟ أليس المواطن هو عنصر التنمية الأساس الذي تستند إليه جميع مقومات التنمية؟ لماذا لا تتوقف إدارة موارد البشرية عن إطلاق برامجها التي لم تعالج تحديات قائمة منذ سنوات، ولم تتمكن من السيطرة عليها أو ضبطها بالإجراءات المناسبة؟.

عبلة مرشد

عبلة عبدالجليل مرشد، دكتوراه في فلسفة الجغرافيا البشرية من جامعة الملك سعود بالرياض، كاتبة رأي في عدد من الصحف السعودية. مهتمة بالقضايا الوطنية ذات الصلة بالتنمية في جميع مساراتها البشرية والاقتصادية، واهتمامًا خاصًا بسوق العمل والتوطين وتمكين المرأة وجودة التعليم ومخرجاته وتحقيق «رؤية 2030» إلى جانب الاهتمام بجميع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخليجية والعربية وتطلعاتها التنموية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق