برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
90M

تطبيع التفاهة

في عام 1985 أطلت علينا السينما المصرية بفيلم الكيف، الذي حوى إسقاطات عظيمة حول تطبيع التفاهة، ومن تلك الإسقاطات مشهد ركوب الممثلَين محمود عبدالعزيز ويحيى الفخراني، تاكسي، بعد مشادة كلامية، ليستقر بهما الحال مع أغنية «البيلي بيلي با» التي كانت مصاحبة لهم في مشوارهم مع سائق التاكسي.

ليدور حوار بين يحيى الفخراني والسائق، حول تلك الأغنية التافهة، ليؤكد السائق لاحقا أنها عبارة عن أمر «يدوش الطاسة» كما يقول، ليرد محمود عبدالعزيز ردا تأييديا للسائق بأن الدوشة تحتاج دوشة أدوش منها لتزول، فيعود السائق ليقول للفخراني العبارة التالية وهي المفصلية في تطبيع أي أمر «يظهر الأستاذ مش عاجباه الغنوة»

ليتساءل الفخراني: هي دي غنوة يا أسطى؟ فيرد السائق: أنا برضو أول ما سمعتها مادخلتش دماغي، لكن لما ودني خدت عليها عششت في نفوخي وكيفتني.

وقد كان وزير الإعلام النازي جوزيف قوبلز يكرر الكذبة مرارا وتكرارا ليتطبع معها الشعب ويتعايش معها، وتمسي حقيقة في أذهان غالبهم، وهكذا فإن تكرار أي أمر دونما نزاع يجعل منه أمرا طبيعيا، والتافهون والتافهات اليوم يمثلون أرقاما صعبة في الاقتصاد، فتتسابق القنوات لإجراء الحوارات معهم، وتستنهض الشركات والمؤسسات قواها كي تحظى بإعلان منهم بأسعار فلكية.

وكل هذا وذاك بسبب أن التفاهة تم تطبيعها، حتى صارت خيارا  مطروحا للتكسب والشهرة، عبر بيع الكرامة ونزع الحياء وتقديم السامج الممل مع مزيج من الإثارة.

هنالك عوامل أسهمت في جعل التفاهة ظاهرة «غير مستعصية» منها اللغة الخشبية، والأسلوب القصصي الذي يقنع الكثير من البشر رغم ما يحوي من مغالطات، والتبسيط الخطر، لدرجة بات فيها الكتاب الواضح مثار شبهة بالسطحية، يروي الفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل، أن ملك مصر طلب من إقليدس أن يعلمه الهندسة في دروس قليلة وسهلة، وكان رد الأخير: لا يوجد طريق ملكي إلى الرياضيات.

كما شاركت برامج التواصل الاجتماعي في جعل هؤلاء التافهين كرموز، وبات العمل الجاد والخير للأهل وحسن الخلق والآداب والفنون والرياضة، عبارة عن نجاحات متقلصة بسبب بروز تلك الثلة، التي تحولت لجماعات وبات معيار نجاحهم المال وليس غيره.

وأخيرا، قال العالم الفذ آنشتاين «كل شيء ينبغي أن يكون في أبسط أشكاله، لكن يجب ألا يكون أبسط مما هو عليه» وهكذا نحن في زمن تغيرت فيه المعايير كثيرا، ولكن من حُسن الطالع أن النجاح الكرتوني لا يلبث إلا أن ينكشف ولا يأخذ صاحبه بعيدا.

سلطان العقيلي

سلطان العقيلي كاتب وصحفي رياضي , شارك في صحيفة الحياة منذ انطلاق الطبعة السعودية لمدة اربع سنوات , له كتابات في الرأي في كل من صحيفة سبق الالكترونية , الوطن , المدينة وعكاظ كما عمل مع جريدتي الشرق الأوسط وصحيفة شمس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق