اَراء سعودية
فضاءات

إن جنّبك شر المخاليق خله

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل

نحن في عصر أصبحت فيه المعلومة ملقاة على شوارع التقنية ودروبها بشكل فعلي وحقيقي وليس مجازيا، مع ذلك لم تعد لدى الناس رغبة في هذه المعلومة ولا ذلك الشغف في التقاطها واكتساب المعرفة من خلالها، ونحن في عصر أصبح التواصل مع الآخر متاحا وسهلا، ولو كان في آخر أصقاع الأرض، بحيث أصبح بإمكانك بناء حوار وتواصل مباشر مع أي شخص ترغب في الحوار معه.

مع ذلك لم تعد لدى الناس قدرة على الحوار، إذ لم يعد هناك في النفوس متسع لاختلاف الأفكار مهما كان بسيطا أو عابرا.

ففي الوقت الذي امتلأت فيه وسائل التواصل بالقروبات والتجمعات والمنتديات، التي تنطلق فكرتها من الحوار والنقاش وتبادل المعلومات والأفكار بين الأعضاء، إلا أننا نجد أن هذه التجمعات شحيحة -وبشكل كبير- من المضمون الحواري الحقيقي، وأن النقاشات المفتوحة فيها -على قلتها- فإنها ترتكز على الحدة والانفعال والرغبة في الصراع أكثر من رغبتها في المعرفة، بالشكل الذي أصبحت فيه هذه التجمعات الافتراضية أحد مراكز الصراع والخلاف والمشاكل، حتى بين الأشخاص الذين يعرفون بعضهم بشكل جيد ولفترات طويلة قبل هذه العوالم الافتراضية.

وأصبحت هذه التجمعات مصدرا جديدا للخلاف والتخاصم بين الأفراد، بدلا من أن تكون مصدر تواصل جديد، يجمعهم بالمحبة والألفة، بعد أن باعدتهم ظروف الحياة ومتطلباتها.

ولذلك فإن قروبات وتجمعات التواصل أصبحت أكبر مصادر الخلاف والصراع بين الأفراد وبين العوائل أيضا، حتى أصبح من الحكمة الابتعاد عن الدخول في هذه القروبات والتجمعات قدر الإمكان، وإن حدث وانضممت إليها لأي سبب كان، كما هو حالنا جميعا، فإن الإعراض عن الدخول في جدالات عقيمة والابتعاد عن الصراعات الكلامية في وسائل التواصل، أولى بالإنسان العاقل الرزين، إدراكا منه بأنها بوابة للخلاف والصراع والمشاحنة، بدلا من كونها وسيلة معرفية تتلاقح من خلالها الأفكار وتتراكم المعارف، فالنقاش المتزن تفتقر له وسائل التواصل بالغالب.

وبتصوري أن تجمعات الناس في وسائل التواصل حاليا، ينطبق عليها تحذير الشاعر محمد بن مهلهل الشعلان الذي قال:

إن شفت ظول الناس بالك تعسه *** وإن جنبك شر المخاليق خله

فالظول الذي يقصده الشاعر هو تجمّع الناس، وتجمع الناس يأتي منه الشر في الغالب، وتجمعات الناس في وسائل التواصل لطالما كانت مصدرا للنزاع والخلافات بسبب عدم قدرة الناس على إدارة حواراتهم بها، والتحكم في اختلاف الآراء الذي قد يحدث في هذه الحوارات، ما يجعل تجنبها أقرب للسلامة وللمحبة وللألفة أيضا.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق