اَراء سعودية
في مهب الحرف

تسألني شو بني!.. شو اللي ما بني

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل

يُذكر اسمُ لبنان، تقفز فيروز إلى مخيلتنا دون عناء، يختلف الفرقاء في كل شيء، يصوبون المدافع نحو بعضهم، يقتتلون، تسيل الدماء، يأتي صوتها ليجمعهم صباحا، فقط لأنها كانت الأصدق في حبها لهذا البلد الذي خذله آلاف السياسيين.

السيدة التي جعلت من حنجرتها حضن الوطن وصوته، وكانت الصدق للوطن، فكان غناؤها العذب أنجع من كل الخطب، وأعظم من كل برامج الإصلاح السياسي الهزيلة:

إذا إنتا بتتركني يا أغلى الأحباب

الدنيي بترجع كذبة

وتاج الأرض تراب

فيروز التي كانت تسبق الزمن بسؤال أصبح اليوم واقعا يفرضه الفرقاء على لبنان كلها، حين صدحت بألم العاشق:

يا فرنسا شو بقلن لأهلك عن وطني الجريح؟

عن وطني اللي متوج بالخطر وبالريح؟

ارتدت ثوب هيرودوت، رسمت لبنان كحلم جميل ولم تغفل عنه كواقع رديء، وغنت للتاريخ لحن الصدق، حين صرخت بأن خراب البلدان ليس قدرا ولا مشيئة بقدر ما هي نشاط الإنسان ذاته:

قصتنا من أول الزمان … بينجرح لبنان بيتهدم لبنان

هرب من بلدها من هرب، واستقال من استقال، ويئس من نخره اليأس، وحدها كانت فيروز أرزة شامخة تُبقى جذوة الأمل في لبنان عظيم مشتعلة:

بيقولوا مات وما بيموت

هكذا هي فيروز في واقع لبنان، وفي مدونة اللبنانيين وفي الوجدان العربي عنوانا للفن الملتزم، الذي يجعل من أسمائه الكبيرة أحد عناوين الدولة الوطنية، وكيف لا تكون، وهي الصوت الذي حمل صورة لبنان الحلم والإنسان الذي يمر عبره الطريق إلى ذلك الحلم؟

جاءت زيارة ماكرون للسيدة فيروز في منزلها بالرابية، كإشارة عميقة على أنها تاريخ من الوطنية وحب الوطن، ولأن العرب أعجوبة حقيقية، فقد كان ماكرون في ضيافة السيدة، على فنجان قهوة يشعر بالرهبة، رافضا الإفصاح عما دار، حفاظا على خصوصية اللقاء واختيارات السيدة، ممتدحا هذه الفنانة الوطنية وما تتمتع به من وضوح ووعي سياسي، فيما أبناء جلدتها يحرثون وسائل التواصل قبل اللقاء بإشاعات وأخبار وتلفيقات حولها.

أما اللقاء فقد اختصرته «جارة القمر» منذ زمن بعيد وهي بانتظار وطنها، الحلم الذي لمّا يزل حتى الغد قيد الانتظار، كل ما تراه حلم وطن يهزمه الخراب والدمار، حتى غدا مقطع «تسألني شو بني.. شو اللي ما بني!» عنوان العناوين واختصارا جمع الدهشة والألم، يصف بعمق آلام وحال وطن وأهله أعياهم الكلام أمام خذلان الساسة.

سلامٌ من القلب لفيروز التي علمتنا حرفا في حب الأوطان، والسلام والاطمئنان للبنان الذي أنجب لنا عملاقة بحجم هذه الفيروز.

ناصر العُمري

ناصر بن محمد أحمد العُمري، كاتب رأي في عدد من الصحف المحلية، نائب رئيس اللجنة الإعلامية لقرية الباحة التراثية بمهرجان الجنادرية، رئيس تحرير مجلة تهامة الصادرة من الغرفة التجارية الصناعية بالمخواة، المنسق الإعلامي لبرامج أندية الحي الترفيهية التعليمية و أمين عام ملتقى المواطنة الرقمية والأمن السيبراني بمنطقة الباحة حاصل على دبلوم عالي في استخدام الدراما في التعليم من معهد نور الحسين في الأردن، رئيس اللجنة الثقافية بمحافظة المخواة وعضو لجنة المسرح بمنطقة الباحة. حصل على جائزة المركز الأول في مسابقة النص المسرحي على مستوى السعودية عن نص «كانت أيام» من الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالجوف وجائزة المركز الثالث في مسابقة أحمد أبو ربعية بالمدينة المنورة عن نص «انتظار» وجائزة أمير منطقة الباحة للإبداع المسرحي عن نص «آن له أن ينصاع». كما ساهم في اخراج العديد من الأعمال المسرحية. نشر له العديد من المقالات المسرحية والقراءات في العديد من الصحف والمجلات المحلية والعربية. صدر له كتاب «ركح الفرجة» و «صراع .كوم»، وشارك في العديد من المنتديات والمؤتمرات والندوات الثقافية والمسرحية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق